نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02

الجزء ٢ · صفحة ٣٢

جاءت هذه الإجابة عن سؤال للأصحاب يتعلّق بالخمر والميسر، وقد أخذت وطأتها تشتدّ عليهم، وهم ما يزالون يشربونها حتى بعد هجرتهم إلى المدينة المنوّرة، وقد ندّت منهم أحداث بسببها كادت تعكّر صفو الجماعة. ولكنّ الله الحكيم في تشريعاته يعلم مدى استحكام تلك العادة عند الجاهليّين، ولا بدّ للتّغيير الاجتماعي وإصلاح العادات والتقاليد الفاسدة من التدرّج، ومن سياسة المراحل في نقل النّاس إلى الأمثل والأفضل.

والإصلاح الاجتماعي يتناول الجوانب الخارجيّة والدّاخلية للمجتمع فنجد تلك الأسئلة تتناول الجانبيين، إذ لا يمكن لأيّة نهضة أن تتمّ إلا بمراعاة ذلك، فبعد أن تمّ التحصين الخارجي بمشروعية القتال وأحكامه في الحل والحرام، وتحددت بذلك علاقات المسلمين بأعدائهم انتقل الإرشاد الإلهي إلى ما يحصّن الجبهة الداخلية بالتّضامن وبالسّلوك الشخصي النظّيف، ثمّ إلى تحصين الأسرة بكلّ ما يتعلّق بها من أحكام الزّواج والطّلاق وكفالة الأولاد … إلخ، فقال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا)

والسّائلون هم المسلمون كما ثبت من أسباب النزول أنهّا نزلت في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر فإنهّا مذهبة للعقل ومتلفة للمال فنزلت الآية، فتبين من ذلك أنّ سؤالهم كان لمعرفة حكمها من الحلّية والحرمة لأنّهم كانوا يعرفون ماهيتها وأنواعها، وتجيء هذه الآية في الرتبة الثانية بعد الآية الأولى التي نزلت في مكّة يمتنّ الله فيها بقوله: (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالاعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا … ) (النحل:67).

٣٣٥ / ٦٬٢٠١