نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09
الجزء ١١ · صفحة ٢٦بعد نفي وجود آلهة غير الله ومطالبة المشركين بتقديم برهان على ما يزعمون، وبعد بيان وحدة الرّسالات السّماوية في الدّعوة إلى توحيد الله وعبادته، أعقب ذلك ذكر فرية الذين زعموا أن الله -سبحانه- اتخذ ولدا، فقال جلّ من قائل: (وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ}، الضّمير في: (قَالُواْ) يشمل بعض المشركين القائلين بذلك -وهم كما قيل قبيلة خزاعة يعتقدون أن الملائكة بنات الله، أمهاتهن من سروات الجنّ-، كما يشمل النّصّ النّصارى القائلين ببنوة المسيح لله -حاشاه-؛ لأن لفظ الولد اسم جمع يكون للذكر والأنثى.
وتأتي جملة: (سُبْحَانَهُ) لتنزيه الله عن ذلك؛ لأن اتخاذ الولد لا يكون إلا لحاجة الوالد إليه عونا وبرّا، وتواصلا وذكرا. ثم جاءت أداة الإضراب: (بَلْ) للرّدّ عن هذه الشّبهة المنكرة، فقال تعالى: (بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ}. وحذف المبتدأ للعلم به. والتّقدير: "الملائكة عباد مكرمون"، وهذه هي الصّفة الأساسية التي تتفرع عنها الصّفات الأخرى اللاحقة. فالعبودية تجعلهم في دائرة الخلق كغيرهم مملوكين لله، وقد حباهم برضاه وأكرمهم بالقربى إليه، وفضّلهم على كثير ممن خلق.
ثم تتابعت الأوصاف التي تضفي عليهم تلك الكرامة وتؤهّلهم لذلك التّفضيل فقال تعالى:
أ) - (لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}: نفي السّبق بالقول عنهم ثم عملهم بأمره تعالى يجسّد فيهم تلك العبودية لله، تأدّبا ولياقة في الكلام، وتنفيذا دقيقا لأوامره تعالى. فلا يتقدمون عليه بقول، ولا يعملون إلا بما يأمر به، وتلك هي قمّة الطّاعة والانقياد من المملوك لسيّده فأين هم المكرّمون المقربون من عظماء البشر من هذه المقامات الرّفيعة في التّأدّب مع المولى جلّ وعلا؟.