نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09
الجزء ١١ · صفحة ٤٩بعد الإدلاء بالشّواهد العقلية والدّلائل الإقناعية على وحدانية الله وصدق نبوءة الرّسول، أعقب الله ذلك بذكر الشّواهد التّاريخية المتمثلة في قصص بعض الرّسل مع أقوامهم للتنظير بينهم وبين رسول الله، وأنه ليس بدعا في دعوته إلى الله. ثم لتسليته عليه السلام في ما يناله من قومه. فبدأ الله بلقطة من حياة موسى وأخيه هارون بدون تفصيل؛ لأن أخبارها مدوّنة في كتاب يعرفها العرب ويقدّرونها، كما أن لشريعة التّوراة وزنها في نظام مجتمع بني إسرائيل. ثم ثنىّ الله تعالى بقصة إبراهيم عليه السلام في مشاهد لم تذكر في قصصه بالسور الأخرى إلا ببعض اللّقطات الواردة منها في سورة الشّعراء. ولهذا الرّسول الكريم منزلة خاصّة لدى العرب إذ هو جدّهم الأعلى وأبو الأنبياء بحق.
قال تعالى: (وَلَقَدَ اتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ، الذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ}.
لقد سبق قوله تعالى في أوائل السّورة: (وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً يُّوحَى إِلَيْهِمْ}، وذكر هذه الشّذرات من قصصهم هنا إنما هو تفصيل لذلك، وافتتحت القصة بلام القسم و"قد" للتّأكيد. وجيء بالتّنظير والمقارنة بين كتاب موسى ومحمد -عليهما السّلام- لوجود الشّبه الكبير بينهما في كون كليهما نورا وهدى للنّاس وفرقانا بين الحق والباطل. ونلاحظ من جهة أخرى كون الرّسل الثلاثة: إبراهيم وموسى ومحمد من أولي العزم من الرّسل، تعب كل واحد منهم في دعوته مع قومه. وفي ذلك تسلية لرسول الله حتى يزيد صبرا، فلا يصدّه إيذاء قومه عن بلوغ مهمته، ووصف تعالى لما آتاه موسى وهارون بأنه: