نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09

الجزء ١١ · صفحة ٥٣

ووصفهم لآبائهم بـ (عَابِدِينَ}، مع تقديم الجار والمجرور يدلّ على الاستمرار والالتزام لتلك العبادة، فليست لهم عبادة أخرى لمعبود غيرهما، وقد ظنوا أنهم بإجابتهم تلك قد أيقظوا حفيظة إبراهيم في الاعتزاز بتراث الآباء، يقدّسه مثلهم، ولكن إجابته -عليه السلام- كانت على غير ما توقّعوه، كانت تسفيها لهم ولآبائهم فقال: (لَقَدْ كُنتُمُ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}، والضّلال هو السّير على غير هدي في طريق لا تعرف نهايته، فهو ضلال واضح لا لبس فيه؛ لأن الإيمان لا يكون بالتّقليد الأعمى، وقد تأكد الضّلال بـ"قد" "وكان" الدّالة على الدّوام، ثم بضمير الفصل: (أَنتُمْ}، وشرّك إبراهيم آباءهم في ذلك الضّلال، إذ ركّزوه في أولادهم جيلا بعد جيل. بينما المفروض أن تكون لكل جيل شخصيته المستقلة، كما تدعو إلى ذلك سنة التّطوّر.

ولكن القوم كانوا ينكرون على إبراهيم ذلك الحكم واعتقدوا أنه هو الضّلال بعينه فجاءت إجابتهم بالاستفهام الإنكاريّ التّعجيبي: (قَالُواْ أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمَ اَنتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ}، قابلوا بين الحق واللّعب، فهم يشكون في أن يكون جادّا في كلامه فيعتقد ما يقوله حقّا، بل اعتبروا أن ما قاله ضرب من المزح؛ لأنه من صغر سنّه بالنّسبة إليهم يغلب عليه طابع اللّعب، فأضرب هو عن قولهم ذلك بأن قال: (قَالَ بَلْ رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ الذِي فَطَرَهُنَّ وأَنَا عَلَى ذَالِكُمْ مِّنَ الشَّاهِدِينَ}، أي لست لاعبا في ما أقول؛ لأن المعبود الحق هو ربّ السّماوات والأرض، وهو وحده يستحق العبادة؛ لأنه خالق هذا الكون العظيم.

وقوله: (وأَنَا عَلَى ذَالِكُمْ مِّنَ الشَّاهِدِينَ}، أي من المهتدين إلى الحق في توحيد الله، حتى لكأنه قد عاين ذلك بعينيه لوضوح الأدلة والبراهين على ذلك. فهو يعبّر بلسانه على ما في قلبه من قوة الإيمان واليقين بربه، جاء ليعلن دين التّوحيد ويرفع لواءه.

٣٬٣٩٣ / ٦٬٢٠١