نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09
الجزء ١١ · صفحة ٩١ذلك هو الجزاء الأوفى للأبرار، أمّا غيرهم فقد جاءت الإشارة إلى أحوالهم بهذا التّعبير البليغ في قوله: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ اَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ}، فالحرام هو الشّيء الممتنع الذي لا يجب أن يكون، فهو بالنّسبة إليه تعالى كل ما حرّمه على نفسه، و"القرية" يراد بها أهلها الذين أهلكهم الله بعذاب دنيوي، وهم الكفرة بالله الطّغاة، لا ينتهي أمرهم بذلك، بل أوجب الله تعالى على نفسه بأن يرجعوا إليه لينالوا عذابهم الأخروي كغيرهم من العصاة الكفرة الذين لم يعذبوا في الدّنيا. وهذا التّفسير هو الذي يتناسب مع ذكر جزاء المؤمنين الصّادقين، وفسّر البعض الرّجوع بأنه إلى الدّنيا، أي المعنى: لا يرجعون عن كفرهم؛ لأنه قد سبق في علم الله بقاؤهم على الكفر والضّلال.
(حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَاجُوجُ وَماجُوجُ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ}: (حَتَّى) ابتدائية يكون الكلام بعدها مستأنفا، وقد تقدّم الحديث عن ياجوج وماجوج في سورة الكهف. جاء الفعل: (فُتِحَتْ) مبنيا للمجهول وأضيف الفتح إليهم مباشرة للدّلالة على هولهم وشدّة اندفاقهم. وهل هو الفتح الذي وقع في القرن السّادس الهجري، والذي اكتسح البلاد الإسلامية حتى سقطت بغداد وقهرهم الجيش المصريّ في عين جالوت؟، أم هو فتح آخر لأولئك الأقوام الذين هم من رهطهم وقبيلهم ممن اختلطوا بهم في أقاصي الشّرق ممن نسمّيهم اليوم بالتّنين الصّيني الذي أصبح يهدّد الحضارة الأوروبية والأمريكية، حتى توقع المحلّلون السّياسيون أنهم سوف يكتسحون الأسواق العالمية، ويكون لهم التّفوّق الاقتصادي والعددي الخطير مع نهاية العقد الثّاني من القرن الحادي والعشرين؟.
وعطف اقتراب الوعد الحق -أي قيام السّاعة- على ذلك الفتح وذلك الإنسيال لياجوج وماجوج يكون اقترابا نسبيّا، أي بالنّسبة لما بقي من عمر الدّنيا.