نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09
الجزء ١١ · صفحة ٩٨(وَعْدًا عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}: أي أنّ الله تعالى قد ألزم بذلك نفسه، فلا تعطيل ولا مخالفة.
ثم يقول تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنم بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الاَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ، إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ}، فالزّبور عند التّعيين هو كتاب داود عليه السلام، وعند الإطلاق هو لكلّ الكتب المنزلة من عند الله، وتؤيده القراءة بالجمع: "الزّبر". وفي لفظ: (الذِّكْرِ) احتمالان: إما أنه التّوراة لسبقها الزّبور، وإمّا للوح المحفوظ، إذ هو خزانة الذّكر كلّه. والمعنى أن كتب الله كلها قد تواردت على معنى: (أَنَّ الاَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}، مما هو مقدر في علم الله باللّوح المحفوظ، فما المراد من الأرض الموروثة من طرف عباد الله الصّالحين.
أهي أرض الدّنيا هذه التي نعيش عليها؟، أم هي الأرض المبدّلة لليوم الآخر فيكون المراد بها أرض الجنة؟، كما ورد في قوله تعالى بسورة الزّمر على لسان أهل الجنة: (الْحَمْدُ للهِ الذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الاَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ) (الزّمر:74).
وعلى كلا الاحتمالين، فإنّ المعنى واضح، أي على الاحتمال الأول يكون المعنى على حدّ قوله تعالى في سورة الأعراف: (إِنَّ الاَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَنْ يَّشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (128).
وكما سبقت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: (أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَاتِي الاَرْضَ نَنقُصُهَا مِنَ اَطْرَافِهَآ أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ) بمعنى أن المالك الحق للأرض هو الله تبارك وتعالى، وأنّه يمكّن للصّالحين من عباده فينصرهم على أعدائهم ويمحق بهم الشّرّ والفساد ويمنّ عليهم بالعزّ والسّيادة.