نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09

الجزء ١١ · صفحة ١٥٤

ثم قال تعالى: (لَنْ يَّنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَكِنْ يَّنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَالِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ}، ليس المقصود من مشروعية الضحايا والهدايا توفير اللّحوم وإراقة الدّماء قصد التّعبّد؛ لأن الله غنيّ عن ذلك، ولأن الذين ينتفعون بذلك هم المحتاجون إليها من عباد الله، وإنما يكمن السّرّ في تقوى القلوب بطلب مرضاته في ذلك، بأن تعظموا حرماته وشعائره كما جاء ذلك في قوله: (ذَالِكَ وَمَنْ يُّعَظِّمْ شَعَآئِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ}، وقد ورد عنه عليه السلام قوله: «أفضل أعمال الحجّ العجّ والثّجّ».(1) فالعجّ: هو رفع الصّوت بالتّلبية. الثّجّ: كثرة إراقة الدّم بالذّبح والنّحر، تذكيرا بفداء إسماعيل عليه السلام، وفي هذا التّوجيه الإلهي إبطال لعادة الجاهليين في تلطيخ الكعبة وتلطيخ أوثانهم بدماء القرابين. ويلاحظ أن رواسب هذه العادة الحمقاء ما تزال موجودة عند كثير من المسلمين حتى اليوم، إذ يذبحون عند انطلاق أشغال البناء لدورهم أو عند امتلاك سيارة جديدة، فيلطخون بدم الضّحية جدار البناء أو جزءا من هيكل السّيارة، أما الذّبح في مزارات الأولياء فعادة ما يشوبها شرك خفيّ يتنزه المؤمن الوفيّ عنها.

وقوله تعالى: (كَذَالِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ}: والتّكرير لفعل: (سَخَّرَ) للتّنبيه على أداء الشّكر الواجب للمنعم، بحيث تتمكن صفة الشّكر في نفس المؤمن، والتّكبير لله في أداء مناسك الحجّ هو من أبرز مظاهر الشّكر.

(1) 1 - رواه الترمذي من حديث أبي بكر الصديق، كتاب الحج، باب فضل التلبية والنحر، رقم 827.

٣٬٤٩٤ / ٦٬٢٠١