نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09
الجزء ١١ · صفحة ١٦١وأخطر الصّراعات بين الخلائق ما يكون من أجل المعتقد، ولذلك نوّه الحق تعالى بالدّفاع عن الحقّ وحماية الدّين بحيث تصان أماكن العبادة عند أهل الأديان كلها -أي الأديان السّماوية الحقة-، فذكر الله أماكن العبادة عندها، ارتقاء من الأقل إلى الأكثر، ومن الأضيق إلى الأوسع، فبدأ بالصّومعة وهي المعبد الخاصّ بالرّهبان يكون منعزلا عن العمران، وأما البيعة فهي الكنائس العامة للنّصارى، والصّلوات هي معابد اليهود، وأوسع المعابد وأكثرها زوارا وعمارة المساجد، ولذلك وصفت بأنها يذكر فيها اسم الله كثيرا، ويحتمل أن يكون هذا الوصف راجعا للمعابد الأربعة، وأن سنة الله واحدة في الصّراع بين الإيمان والكفر، وهو يتولّى عباده المؤمنين بالنّصر والتّمكين إذا ما التزموا بنهج الله وأخلصوا دينهم لله.
ولزيادة التّوكيد لوعد الله ذيّل الجملة بقوله: (إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}، والقوة والعزّة لله جميعا، وهو القاهر فوق عباده، فلا بدّ أن تنتهي تلك المواجهة بنصرة الحقّ، وإن تألّب عليه الأعداء.
وحين ينتصر المؤمنون فإنّ الغلبة لا تبطرهم، وهم لا يغترون بقوتهم فيركنون إلى الظّلم والتّعسّف، بل وصفهم الله بالصّلاح والاستقامة فقال: (الذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الاَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الاُمُورِ}.
لنصر الله والتّمكين في الأرض تبعات ومسؤوليات، وهو ما سمّاه رسول الإسلام بالجهاد الأكبر، فليس المهمّ أن تنتصر على أعدائك في معركة ما، وإنما أن تحافظ على ذلك النّصر وتسعى لتركيزه واستدامته؛ لأن الأمن والرّخاء والاستقرار يفسح المجال للأطماع، ويبعث على الشّر والفساد، فعلى من بيده السّلطة والنّفوذ أن يتحصّن بصفات أربع:
أ) - (أَقَامُواْ الصَّلاَةَ}: لأن ذلك دليل على شكر المنعم وأداء لحقّه في الإجلال والتّعظيم.