نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09

الجزء ١١ · صفحة ٢٢٨

كل الدّعوات البشرية نحو الإصلاح والتّجديد تلاقي مقاومتها الأولى من علية القوم أصحاب النّفوذ والسّلطة، وأما العوام المستضعفون فهم تبع لمن غلب. ودعوة نوح عليه السلام هي الدّعوة الرّائدة في سبيل الحقّ من بعدما تبلور المجتمع البشريّ وتشكلت طبقاته ما بين كبير وصغير وجليل وحقير، فلا غرو أن يكون أبا البشر الثّاني جاءت دعوته لتركيز الوحدانية لله وإفراده بالعبادة، ولكن كبراء القوم كشأنهم في كلّ زمان ومكان لا يكلّفون أنفسهم عناء المناقشة للفكرة مجرّدة عن المألوف والذّوات، بل يوجّهون أنظار أتباعهم إلى الرّجل الدّاعي على اعتبار بشريته المجرّدة التي لا تعدو المثلية لما هم عليه، وأنّ الدّافع لما يدعو إليه هو طلب النّفوذ والرّياسة بينهم إذ أن الصّلة بالسّماء في نظرهم لا تكون إلا لمَلَك، وأن ذلك هو المعروف والموروث عن آبائهم وأجدادهم، حتى لكأنهم لا يملكون عقولا يتدبرون بها ما يستجدّ من القضايا. وهكذا الكفر ملّة واحدة، وتلك هي مستنداته في إنكار الحقائق، ومواجهة دعوات الحقّ، أو لم يقل كفار قريش لرسول الله: (بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ) (البقرة: 170).

وحتى يتخلّوا عن أصل القضية في التّدبّر والبحث، فهم يحوّلون الأنظار إلى شخص الدّاعية يوسعونها ذمّا وشتما بقولهم: (إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلُم بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّى حِينٍ}، ما أسهل أن يوصم شخص من طرف خصمه بالخبال والجنون. وأن ينتظر به ريب المنون، إنها الوسيلة الخسيسة التي يلجأ إليها الخصوم للتشكيك وتعطيل المسارات الإصلاحية بالطّعن في شخصية الدّاعية أو الزّعيم حتى يتفرق عنه الأتباع، وتمنّي الموت لأحد هو أقسى ما يترقبه المرء لعدّوه؛ لأنه ليس بعد الموت من مستعتب.

٣٬٥٦٨ / ٦٬٢٠١