نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09

الجزء ١١ · صفحة ٢٣٤

تعرض السّورة الموكب البشري في مسيرته الطّويلة، وكيف انطلقت دعوة الحق على لسان نوح، ثم كانت تلك النّهاية المفجعة للكفار من قومه بعد طول إنذار، وإملاء واختبار. وها هو السياق يعرض بإيجاز كيف توالت دعوات الرّسل في وحدة التّوجّه والدّعوة الإيمانية الواحدة، وكيف كان الاستقبال الواحد لتلك الدّعوات، دون أن يذكر الأسماء في بعض القصص، اكتفاء بما هو القاسم المشترك بين الجميع من صدق الرّسل في التّبليغ وإعراض الأقوام عن سماع كلمة الحق، ثم النّهاية الأليمة للمكذّبين. فقال جلّ من قائل: (ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنم بَعْدِهِمْ قَرْنًا … -اخَرِينَ، فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهمُ أَنُ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنِ اِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ}.

لقد تطاول الزّمن من بعد قوم نوح، إذ أخذت زهرة الإيمان تذوي، ومع طول الأمد تقسو القلوب، وقد ابتعد الزّمن بها عن منبع الإيمان، ورحمة الله تقتضي أن يقيم الحجّة على خلقه. فيبعث فيهم رسولا يبشرهم وينذرهم، ورجّح أكثر المفسرين أنهم قوم عاد بناء على ما ذكره القرآن من تفصيل قصّتهم، وأن الله قد أخذهم بالصّيحة، ورسولهم هو هود عليه السلام، فهو من قبيلتهم ورهطهم لقوله تعالى: (فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهمُ}، ودعوته هي نفس ما قاله نوح لقومه، وكانت إجابتهم أيضا شبيهة بإجابة قوم نوح:

(وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ الذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الاَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَاكُلُ مِمَّا تَاكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ، وَلَئِنَ اَطَعْتُمْ بَشَرًا مِّثْلَكُمُ إِنَّكُمُ إِذًا لَّخَاسِرُونَ}:

فزيادة على كون المجيبين من علية القوم، فقد أضاف الله لهؤلاء أوصافا تضفي عليهم طبيعة العجرفة والغرور والكبرياء.

٣٬٥٧٤ / ٦٬٢٠١