نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ٥٧الجملة: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ) معطوفة على ما قبلها لإتمام حكم الطّلاق المذكور في الإيلاء، جاء الحكم على صيغة الخبر ويراد به الأمر، ويقصد من صفة "الْمُطَلَّقَات" هنا ذوات القُروء المستعدّات للحمل والنسل والمدخول عليهن، لأنّ هؤلاء والحوامل واليائسات و الصغيرات حكمهنّ مبيّن في آيات أخرى، ومعنى: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوء) أي ينتظرن تلك المدة، فلا يتزوجن حتى تمرّ، والتعبير: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ) يُصوّر الحالة النّفسية التي تكون عليها المطلّقة من الرّغبة الملحّة في إنهاء تلك المدّة بسرعة رجاء زواجها برجل آخر تثبت من خلاله للمطلّق على أنّها مؤهّلة لحياة زوجية أخرى تكون أهدأ وأسعد من الأولى، وليس سهلاً عليها أن تكبت تلك الرّغبة، ولذلك أفادت زيادة (بِأَنفُسِهِنَّ) أنّه يجب عليهنّ أن يكبحن تلك الرّغبة الملحّة في الاستعجال و يتربّصن على تمام العدّة المطلوبة وهي ثلاثة قروء، على ما في اللّفظ من احتمال المعنيين الحيض والطهر، والحكمة من هذا التربّص متعددة الجوانب منها:
أ- التّعرف على براءة الرّحم حتىّ لا تختلط الأنساب فيُدعى الولد لغير والديه كما كان يفعل الجاهليون إذ كانت المرأة تتزوّج بعد فراق رجل بآخر، ويظهر لها أنّها حبلى من الأوّل فتلحق الولد بالثّاني فحرّم الله ذلك بقوله: (وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَّكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فىِ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُومِنَّ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الآخِرِ) حمّلهن الله مسؤولية ذلك إذ هو أمر تتعذّر معرفته إذا تعمدت المرأة كتمانه. وفي كلتا الحالتين من كتمان الحيض أو الولد إضرار بالرّجل بحرمانه من ولده، وباستدامة النّفقة بكتمان الحيض، فهي مسؤولة أمام الله على ذلك يوم الحساب: (إِن كُنَّ يُومِنَّ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الآخِرِ).