نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09
الجزء ١١ · صفحة ٢٦٢ثم قال تعالى: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالاَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَل اَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ}: جيء بهذه الجملة الشّرطية لزيادة التشنيع على اتّباع الأهواء الغالبة على المخلوقين؛ لأن إرادة الخالق لا تعتريها البدوات، ولا تتحكم فيها أهواء المخلوقات، فبالحقّ قام أمر السّماوات والأرض: (مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} (الدّخان:39).
وقوله تعالى: (وَمَن فِيهِنَّ) إما لعقلاء المخلوقات من الملائكة والإنس والجن، أو هو لجميع المخلوقات على وجه التّغليب، ووجه الرّبط بين فساد السّماوات والأرض وفساد النّاس إذا كان الحقّ جاريا على أهوائهم هو أن تلك الأهواء لا يحكمها ميزان العدل.
وإذا اختلت الموازين اختل النّظام. ولنضرب لذلك مثلا: من أهواء أهل الشّرك تعدد الآلهة، وذلك في مجال المعتقد، ووحدانية الله الخالق حقيقة وجودية هي أصل الدّيانات كلها، فالاعتقاد بتعدّد الآلهة مخلّ بتلك الحقيقة، قال تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ اِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا) (الأنبياء:22).
(بَل اَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ}: وبما أنهم بمنزلة النّاسين الغافلين، ذكر الله الإتيان بالذّكر إليهم، وهو إمّا مصدر بمعنى التّذكير، وإمّا بمعنى الشّرف وإعلاء منزلتهم، كما قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) (الزّخرف:44). فتفرّع عن إتيانهم بالذّكر إعراضهم عنه، ولو تدبّروا القرآن لوجدوا فيه ما يعظهم، ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشدّ تثبيتا، وليس في دعوة الرّسول سبب للنفرة عنه، إذ لا مطمع له في مال ولا جاه كما قال تعالى: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}: