نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09
الجزء ١١ · صفحة ٣٢٠(لَّوْلآَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُومِنُونَ وَالْمُومِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُواْ هَذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ}: بهذا التّوبيخ اللّطيف المصدّر بـ"لولا" التي بمعنى "هلاّ" يبدأ العلاج الذّاتي بسلامة الصّدر ونقاوة الضّمير، والطّيبة في المعاملة، والظّن الحسن في الأخوّة الإيمانية.
والتّعبير: (بأَنفُسِهِمْ) وذكر المؤمنين والمؤمنات بأسلوب الالتفات من ضمير الخطاب إلى ضمير الغائب هو للتركيز على ظن الخير والاعتماد على الوازع الإيماني في ذلك لأنه هو الرّصيد الباقي لحياة الأمة واستمرارها بعد انقطاع الوحي، ولأن الفضيلة تقتضي أن لا يسيء المسلم ظنا بنفسه ولا بأفراد مجتمعه، كيف وقد وضع رسول الله لأمته مقياس التّعامل النّظيف فقال عليه السلام: «لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه».(1) سيما إذا كانت تلك الأخوة الإيمانية التي يجب أن تراعى هي في أشخاص غير عاديين، بل في أشخاص هم في القمّة عند الله وعند أوليائه من المؤمنين والمؤمنات، وأضاف الله تعالى إلى ذلك أن يكون الإنكار باللّسان إذ قال: (وَقَالُواْ هَذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ}، لأنّ تغيير المنكر بالقلب هو أضعف الإيمان.
وبعد التّطهير الذّاتي والمعالجة الإيمانية تأتي الخطوة الثّانية في تشريع الإجراء القانوني للإدانة: (لَّوْلاَ جَآءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَاتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ}.
ودائما بأسلوب التّوبيخ بـ"لولا" يذكّر الله المؤمنين بما شرعه لهم في القذف كما ورد ذلك مفصّلا في الآية السّابقة، في وجوب الاستناد إلى مشاهدين أربعة مشاهدة ومعاينة للجريمة ترتكب ظاهريا لا لبس فيها، فهؤلاء الذين اختلقوا الإفك لم يستندوا إلى ذلك فهم أفّاكون عند الله، أي في علم الله.
(1) 1 - رواه البخاري من حديث أنس، كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، رقم 13.