نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09
الجزء ١١ · صفحة ٣٨١وما أروع هذه المقابلة بين مجالات الأنوار المتألقة في القلوب المؤمنة، وإطباق الظّلمات المتراكمة في قلوب الكفار والمنافقين، والتي قال عنها أبيّ بن كعب: الكافر يتقلّب في خمس من الظّلمات: كلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره يوم القيامة إلى الظّلمات في النّار وبئس المصير.
قلت: أجمع من ذلك أن يكون قلبه في ظلمه حالكة، لا ينفذ إليه أي بصيص من نور الله الذي لا يلتمسه إلا عن طريق الإيمان الصّحيح يقول تعالى: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ’ لِلاِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) (الزّمر:22). ويقول في سورة التّغابن: (وَمَنْ يُّومِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ’ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (11).
فنور الهداية لا يتأتى بأيّ علم إلا ما يكون عن طريق وحي الله، متى استشرف إليه العبد المخلص الوفيّ وطلب الهدي من منابعه الأصلية واتجهت نيته إلى التماس رضى الله، وأما ما وراء ذلك من معارف البَشر مهما تنوّعت فروعها فهي تقف دون باب الغيب عاجزة لا تغني فتيلا، يقول في شأنها جلّ وعلا: (يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الاَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) (الرّوم:7).
ومع ذلك العجز المميت فإن هذا الإنسان قد يفتن بعلمه إلى حدّ التّألّه، ويتطاول بمعرفته إلى حدّ السّخرية والإنكار لعلوم الدّين تماما، وفي مثل هؤلاء يقول ربّ العزة: (فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ) (غافر:83). ويقول في آخر هذين المثلين: (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ’ نُوراً فَمَا لَهُ’ مِن نُّورٍ}.
رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَآ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، والله أعلم.