نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09

الجزء ١١ · صفحة ٣٨٦

ثم إن القرآن يذكر كيف أن الله تعالى امتنّ على سيدنا سليمان، إذ علّمه منطق الطّير، وأورد في سورة النّمل ذلك الحوار الذي جرى بينه وبين الهدهد في إخباره بضلال بلقيس وقومها، ثم تبسّمه عليه السلام لقول النّملة وتسخيره للجانّ، مما يعدّ ميزة خصّ الله بها هذا الرّسول، وفي ذلك دليل على قدرة الله وعلمه المحيط بكلّ شيء، بما في ذلك هذه الأصوات التي لا يفقه منها الإنسان شيئا إلا أن يكون ذلك من إلهام الله ووحيه.

قال تعالى: (وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ}: تُكَرَّرُ هذه الآية في كثير من سور القرآن لتقرير حقيقة الملكية، وأن المالك الحقيقي للأشياء هو الذي يملك إيجادها والتّصرّف فيها كيف يشاء، فهو المالك لأصولها والمدبّر لشؤونها، وأمّا نحن البشر فلا نملك إلا حقّ الانتفاع لفترة معيّنة ثم تنتقل إلى غيرنا، كمن استلم وديعة إلى أجل معيّن ليردّها إلى صاحبها متى حلّ ذلك الأجل، ولذا فإن هذه الحقيقة الكونية لا تنكشف للناس إلا عندما يخرجون من حدود الزّمان والمكان بعد قيام السّاعة حيث ينادى المنادي: لمن الملك اليوم؟، فلا مجيب يومئذ إلا ضمير الوجود الخاشع: (للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (غافر:16).

وللإمام الفخر الرّازي ملحظ وجيه في قوله تعالى: (وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ}، يقول: "فهو عبارة تامّة في معرفة المعاد وهو أنه لا بدّ من مصير الكلّ إليه سبحانه، وله وجه آخر، وهو أن الوجود يبدأ من الأشرف فالأشرف فإنزالا إلى الأخسّ فالأخسّ، مترقيا إلى الأشرف فالأشرف، فإنه يكون جسما، ثم يصيّره موصوفا بالنّباتية ثمّ الحيوانية ثم الإنسانية، ثم الملكية ثم ينتهي إلى واجب الوجود لذاته، فالاعتبار الأول هو قوله: (وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ}، والاعتبار الثّاني هو قوله: (وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ} ".(1)

(1) 1 - الفخر الرازي، التّفسير الكبير: 24/ 12.

٣٬٧٢٦ / ٦٬٢٠١