نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ٧٠قلت: إزاء هذه الاحتمالات في تحديد جهة المخاطبين والمراد من لفظ "السّلم" يجب أن نستصحب وتيرة السياق ممّا يكتنف هذا النّص، لنتوصّل بذلك إلى فهم المعنى المقصود، والله أعلم بمراده. وبعد تتبعي لمختلف التفاسير في ما يخصّ هذا النداء، استأنست بما ذهب إليه الإمام ابن عاشور -رحمه الله- من أن النّداء للمسلمين؛ أمرهم الله بالدخول في المسالمة دون القتال، لأن الأمر بالدخول هو لطلب تحصيل فعل لم يكن حاصلا أو كان مفرَّطا من بعضه، قال ما ملّخصه بتصرف: "بعدما تقدم في أن الله تعالى يهيئ المسلمين نفسيا لقتال المشركين بعد أن قال لهم: (وَقَاتِلواْ فىِ سَبيلِ الله الذِينَ يُقاتِلونَكُم)، وبعد أن حدث ما حدث في صلح الحديبية، إذ ذكر الله ذلك في ما سبق واستطرد بعده ببيان أحكام الحج، استؤنف هنا أمر المسلمين بالرّضا بالسّلم والصّلح الذي عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل مكة، لأن كثيرا من المسلمين كانوا آسفين من وقوعه، فتكون المدّة ما بين نزول المسلمين بالحديبية وتردّد الرسول بينهم وبين قريش وما بين وقوع الصلح هي مدة نزول الآيات من قوله: (وقَاتِلواْ فىِ سَبيلِ الله الذينَ يُقاتِلونَكُم … إلى هنا، ثم يقول: "فإذا فُسّر السّلم بالإسلام فإن الخطاب بـ (يَآأَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ) وأمر المؤمنين بالدخول في الإسلام يُؤَوَّل بأنه أمر بزيادة التمكن منه والتغلغل فيه"(1) قلت: ويؤيد هذا التوجيه في التفسير قوله تعالى في الآيات اللاحقة: (سَلْ بَنِيِ إِسرَآئِيلَ كَمَ -اتَينَاهُم مِّنَ –ايَةِم بَيِّنَةِم وَمَنْ يُّبَدِّلْ نِعمَةَ اللهِ مِنم بَعدِ مَا جَآءَتهُ فَإِنََّ اللهَ شَدِيدُ اْلعِقَابِ) (البقرة:211). وقد درج أسلوب القرآن على تحذير المسلمين من الاختلاف والتفرّق في الدّين كما حدث لبني إسرائيل.
(1) 2 - المصدر نفسه، 2/ 276 - 277.