نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09

الجزء ١١ · صفحة ٤٥٩

ثم قال: (وَأَنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمُ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}، هذه الآية الكريمة نظيرة للآية الواردة في سورة الأنبياء، مع تغيير طفيف بقوله هناك: (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء:92). وهما تتكاملان في المعنى، وتؤكد إحداهما الأخرى في بيان أنّ دين الله واحد في أصوله العامّة، وأنّ المخاطبين به في دعوات الرّسل كلّها هم أمّة واحدة موحّدة لله دائنة له بالعبودية والرّبوبية، ولا اختلاف بينها إلا في الجزئيات والفروع، وذلك من فضل الله على عباده، إذ ترك لهم الاجتهاد مفتوحا في ما لا يضرّ بمصالحهم، فيجب الالتزام بأصول الدّين في العقائد والقيم الأخلاقية، حتى تجتمع كلمة الأمّة على ما يوحّدها ويثبتها على منهج الله. والأمر بالتّقوى هنا أعمّ وأشمل من الأمر بالعبادة في سورة الأنبياء لما فيه من الزّجر والتّحذير من مخالفة أمر الله، فهل استجاب الأتباع لتلك الدّعوة؟.

قال تعالى: (فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبِم بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}: كان واقع تلك الأمم على عكس المقصود من دعوة رسلهم، إذ لم يلبثوا أن قطّعوا أمتهم إلى قطع متفرقة. جاء الفعل: (تَقَطَّعُواْ) مزيدا بالتّاء والتّضعيف ليدلّ على شدة القطع، و (أَمْرَهُمْ}: يعني ما اجتمعوا عليه من أمر دنياهم وآخرتهم. وكلمة: (زُبُرًا) أو (زُبَرًا) -على القراءتين- تعني جمع "كتاب"، أو جمع "زبرة"، بمعنى قطعة من شيء، وفي كلا المعنيين يراد بها انحياز كلّ فريق إلى جماعة منفصلة عن الأخرى. وبالتّالي فكأنّ لكلّ جماعة كتابا تدين به غير ما أنزل من عند الله، فهم فرحون بما اتخذوه من دينهم الجديد، حتى لكأنهم على الحق والصّواب، وغيرهم على الضّلال.

٣٬٧٩٩ / ٦٬٢٠١