نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09
الجزء ١١ · صفحة ٤٧١ثم قال تعالى: (حَتَّى إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ، لاَ تَجْأَرُواْ الْيَومَ إِنَّكُم مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ}: "حَتَّى" تكون لابتداء الكلام بعدها مفرّعا عما قبله، والأخذ بالعذاب يعني نزوله عليهم بشدة بحيث لا يكون لأحد فكاك منه ولا انفلات. وتخصيص المترفين منهم؛ لأنهم رؤوس الكفر، أبطرتهم النّعمة وغرّتهم حظوظهم الدّينوية؛ ولأنهم بمنزلة رأس الأفعى لا تموت إلا إذا دقّت وأتلفت، وهم أضيق النّاس وأسرعهم إلى الويل والثّبور عند نزول الشّدائد، فهم يصرخون ويستغيثون، فلا ناصر ولا مغيث، إذ يردّ المولى عليهم بقوله: (لاَ تَجْأَرُواْ الْيَومَ إِنَّكُم مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ}، نهاهم عن الجؤار على وجه التّيئيس، ثم علّل ذلك بقوله: (إِنَّكُم مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ}، والمعنى: لا فائدة من جؤاركم؛ لأنه لا مجير يستطيع أن يجيركم من ذلك العذاب، لأن نصرة الله لا تكون إلا لأوليائه وأحبائه. قال تعالى: (وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَّنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج:40). والأظهر أن العذاب المهدّد به لأولئك المترفين هو عذاب دنيويّ. قيل: هو سنوات الجوع التي مسّت قريشا استجابة لدعوة رسول الله عندما قال: «اللّهم أشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف»(1). وقيل: هو عذاب القتل والأسر الذي أصاب صناديد قريش يوم بدر.
(1) 1 - رواه البخاري من حديث أبي هريرة، كتاب صفة الصلاة، باب يهوي بالتكبير حين يسجد، رقم 771. ورواه مسلم من حديثه أيضا، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة، رقم 1572.