نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09

الجزء ١١ · صفحة ٤٧٩

نحن بإزاء عودة السّياق إلى غرض الاستدلال على عظمة الله في ما خلق، والامتنان على خلقه بما سخّر لهم من النّعم، وذلك ما نجده منبثّا خلال السّورة الكريمة، قد تتخللها استطرادات مناسبة للتفنن في تجديد الكلام وتنويع أساليبه.

فالجملة هنا تذكير بقدرة الله بأسلوب الخطاب للسامعين تركيزا لأنظارهم في ما متّعهم الله به من مختلف الحواس، وخصّ منها بالذّكر السّمع والأبصار والأفئدة؛ لأن المعوّل عليها في النّظر والاستدلال، وأفرد السّمع على اعتبار أن الصّوت واحد في الآذان كلها، بينما تتعدّد المرئيات والمدركات، فجيء بالأبصار والأفئدة جمعا، وفعل: (أَنشَأَ) يدلّ على الخلق والإبداع مما هو من خصائص الألوهية، قد يتمكن الإنسان على كشف بعض أسرار تلك الخلقة، وقد يعجز فلا يفهم إلا ظواهر الأشياء، إذ يبقي سرّ الحياة ودبيبها في الأجسام الحية من الأمور التي قال الله في شأنها: (وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) (الإسراء:85). وقليل من النّاس هم أولئك الذين يقدّرون لتلك النّعم قدرها فيشكرون المنعم بما يستحقّه من الإجلال والتّعظيم، كما قال تعالى: (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِي الشَّكُورُ) (سبأ:13).

ثم قال تعالى: (وَهُوَ الذِي ذَرَأَكُمْ فِي الاَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}، الضمير يعود على الذّات العلية. مع نعمة الخلق والإيجاد يكون البثّ والنّشر للخلائق في كلّ أرجاء الأرض تعميرا وتمكينا من تسخير خيراتها لفترة معيّنة في الحياة الأولى، ثم يكون البعث والحشر للحياة الثّانية؛ لأن الذي قدر على خلق النّاس من عدم قادر على إعادة خلقهم ثانية، فالحشر يقابل الدّرء، ولله وحده القدرة على ذلك.

٣٬٨١٩ / ٦٬٢٠١