نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٨أي إنّ الله قادر على أن ينزّل عليهم آية خارقة ترغمهم على الإيمان فيدخلون في حظيرته خاضعين لو شاء ذلك، ولكن حكمته البالغة اقتضت أن يكون الإيمان بالاقتناع الذّاتي والاختيار الحرّ، ففي القرآن وبلاغته وإعجازه ما يكفي من الدّعوة والتّحريض لأولئك الطّغاة لو أنّ الله تعالى هداهم للإيمان، ثم إنّه تعالى يعلم ما بلغه العقل البشري من التّفتح والنّضج بحيث لا تبهره تلك المعجزات المادية، فجعل معجزة رسوله الخاتم قرآنا يتلى وجعله تبيانا لكلّ شيء وضمّنه أسرارا لا تنكشف لخلقه إلاّ بعد أمد طويل وجهد كبير. وقد تردّد كثيرا في القرآن مثل هذا العتاب اللّطيف لرسول الله على تلك العاطفة الصّادقة في حرصه على إيمان قومه إشفاقا عليهم من عذاب الله إن هم أصرّوا على الكفر وذلك من مثل قوله تعالى له:
أ) - (وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ ءَلاَمَنَ مَن فِي الاَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا اَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُومِنِينَ) (يونس:99).
ب) - (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَءَاهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَّشَآءُ وَيَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ اِنَّ اللهَ عَلِيمُم بِمَا يَصْنَعُونَ) (فاطر:8).
جاء التّعبير بالأعناق لأنها مظهر الخضوع في أجزاء الجسم إذ تلتوي عند تنكيس الرّأس خضوعا وذلّة، والمقصود هم أصحاب الأعناق إذ جاء الوصف: (خَاضِعِينَ) للعقلاء.
وإذ طبع هؤلاء على العناد واللّجاج، والقرآن تتوالى عليهم آياته تنزيلا وتذكيرا، ولكنهم كيف كانوا يتلقونه؟، قال تعالى: (وَمَا يَاتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ اِلاَّ كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ).