نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ١٠٧(فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَنم بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ): الضّمير يرجع إلى النّار، ولكن البركة وقعت على عاقل: (مَن فِي النَّارِ)، ومضمون النّداء هو هذا الدّعاء، والمنادى مفهوم من السّياق هو موسى عليه السلام فقد باركته عناية السّماء، ومن حوله هم الملائكة الأطهار وعلى رأسهم جبريل عليه السلام كلّفهم الله بإنارة ذلك المكان المقدّس، فالتبريك الإلهي هو بمعنى الاصطفاء من الله لموسى، وما تلك النّار التي كانت هدفا مقصودا له إلا النّور المقدّس يتوهّج في فرع الشّجرة وهي لا تزداد إلا اخضرارا وتوهّجا كما رواه ابن عباس، وصرحت به آية سورة القصص فقال تعالى: (فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الاَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ) (30).
إذن، هي القدرة الإلهية أحدثت ذلك المشهد العجيب، وذلك يقتضي تنزيهه تعالى فقال: (وَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، فهو لا يشبه أحوال خلقه؛ لأنّ له الرّبوبية المطلقة؛ ولأنّ سماع موسى لكلام الله دون أن يرى شيئا أمر يدعو إلى الاندهاش بالنّسبة للمخلوق الضّعيف كموسى، فالموقف يدعو إلى الإيناس والتثبيت، ولذلك تكرّر النّداء الإلهي لموسى بأدواته الكاملة، أي بأداة النّداء وبالمنادي، فقال تعالى: (يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
إنه التّمهيد المبارك، فالإيتاء بضمير الشّأن: (إِنَّهُ) والإخبار عنه بجملة معرّفة الطّرفين: (أَنَا اللهُ)، ثم اختيار لفظ الجلالة الدّال على الألوهية ووصف الذّات العلية بالعزة والحكمة، كلّ ذلك يرسم الصّورة اللائقة بجلال الله وقدرته ليعلم موسى مدى رعاية الله له، وهو يصطفيه لرسالة تتطلّب منه قوّة الاحتمال والصّبر أمام أعتى طاغية على وجه الأرض، وأنّ الله ناصره عليه؛ لأنّه ليس بربّ ولا إله كما يدّعي.