نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10

الجزء ١٣ · صفحة ١١٤

أي كان سليمان خلفا لأبيه داود في النّبوءة والعلم وسياسة الرّعية، لا في المال؛ لأن الأنبياء لا يورثون كما جاء في الحديث أن رسول الله قال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة».(1)

وهكذا يطوي النصّ أخبار داود عليه السلام للتوسّع والتّفصيل في قصة ولده سليمان، وكان أعظم ملكا من أبيه ووهبه الله مزيدا من أسباب القوة والسّلطان، في غير صلف ولا طغيان، وها هو ذا يعلنها صريحة بين النّاس متحدثا بنعمة الله شاكرا فضله العظيم عليه، فيخصّص ثم يعمّم.

يخصّص بالذّكر تعليم الله إياه منطق الطّير، وفي ذلك إيجاز، لأن أحداث القصة مع النّملة والهدهد تدلّ على أنه يعلم لغات الطّير والحيوان والحشرات، لا عن طريق الحدس والمحاولات العلمية الاجتهادية والاستقرائية لمعرفة دلالات بعض الأصوات لتلك المخلوقات، وإنّما هو علم لدنيّ حباه الله سليمان خاصّة كما حباه تسخير الجنّ والرّياح وغير ذلك من مختلف النّعم التي أجملها بقوله: (وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ). أعلن ذلك على الملإ من رعيته لا تعاظما وكبرياء، بل تحدثا بنعمة الله إذ قال بعدها: (اِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ)، أي هو من الفضل الإلهي علينا، والذي لا يخفى على أحد.

ويعتبر هذا الإعلان من طرف سليمان الملك الرّسول أمام رعيته -ولله المثل الأعلى- بمثابة ما نسميه اليوم "البرنامج السّياسي لرئيس الدّولة"، فهو يستعمل ضمير المتكلمين مراعاة لخطاب السّياسة والملك، حتى يسلس قياد رعيّته ويحمّلها على تقديره واحترامه، لما يمتاز به من خصائص، وها هو ذا سليمان يتربّع على عرش ملكه وحوله جنوده من كلّ ما سخّر الله له، فكيف ينتظمون أمام قائدهم؟.

يقول الحق تبارك وتعالى: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالاِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ).

(1) 1 - تقدّم تخريجه: ص 108.

٣٬٩٦٥ / ٦٬٢٠١