نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10

الجزء ١٣ · صفحة ١٢٣

ثم قال: (فَمَكُثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُّ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإِم بِنَبَإٍ يَقِينٍ)، الفاء للتفريع، والمكث: البقاء في مكان وملازمته، و (غَيْرَ بَعِيدٍ): أي غاب لمدة يسيرة، و"فاء" التّعقيب تفيد أنّه حضر فور تهديد سليمان له فبادر بتقديم عذره قبل أن ينهره الملِك قائلا له: (أَحَطْتُّ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ). والإحاطة: هي العلم الشّامل بالشّيء من كلّ جوانبه، فكان الهدهد ذكيّا في مفاجأة الملك بتلك المقدّمة المثيرة للتشويق، وفيها أيضا من الإيحاء والتّنبيه لسليمان بأنّ في خلق الله من يملكون كما يملك أو أكثر، وأنّه من تمام المسؤولية للحاكم أن يكون على دراية بما حوله من الأمم والمماليك، فيشجّع أعوانه ذوي المواهب لالتقاط المعلومات وجمع الأخبار من مثل قول الهدهد له: (وَجِئْتُكَ مِن سَبَإِم بِنَبَإٍ يَقِينٍ)، فما أروع الجناس في هذه الرّواية، وما أثمن هذا الخبر الذي جاء به الهدهد، ولا شكّ أنّ سليمان يعرف مملكة سبأ، ولكنّه لم يقدّر عظمة سلطانها المادّي كما كان لا يعرف توجّهاتها الرّوحية الدّينية، وذلك هو النّبأ العظيم الذي أدلى به الهدهد لسليمان إذ قال له: (اِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ).

فقد عرف هذا الهدهد الذّكي، وهو يمتثل أمام سليمان في موقف المتمرّد الجاني، عرف كيف يدافع عن نفسه بلطف وحذق ومهارة ليصف له رحلته الاستكشافية إلى مملكة سبأ التي تقع في جنوب الجزيرة باليمن والتي يعرض القرآن في سورة "سبأ" بعض مقتطفات من خيراتها وحضارتها، وفي عرض الهدهد تطالعنا ثلاثة أمور قال:

٣٬٩٧٤ / ٦٬٢٠١