نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ١٤٧عبّر لوط هنا في إنكاره على قومه بإتيانهم الرّجال، وعبّر في آية أخرى بإتيان الذّكران، ولعل في التّعبير بالرّجولة مزيد استشارة لنخوة القوم وكرامتهم، لأن الرّجولة الكاملة تأنف أن يفعل بها ذلك، وأي الرّجال نفيت الرّجولة عنه تعييرا وهجوا فإنه يغضب ويثور في وجهك، وقد اعتبر الأدباء من أقذع الهجو ما قاله الحطيئة في الزبرقان بن بدر -وهو سيد في قومه- فهجاه بقوله:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها … واقعد فإنك أنت الطّاعم الكاسي
إذ لم يزد عن وصفه بامرأة همّها الطّعام والشّراب.
وقوله: (بَلَ اَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)، فالجهل يحتمل نفي العلم بالشّيء ويحتمل السّفه والطّيش، بمعنى أنهم يجهلون عواقب الانحراف عن الفطرة ولا يميزون بين الحسن والقبح، أو هم يسفهون على من يزجرهم عن ذلك، والتّعبير بالمضارع للدلالة على أن ذلك شأنهم باستمرار.
(فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلآَّ أَن قَالُوا أَخْرِجُوا ءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمُ إِنَّهُمُ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ): الفاء للتعقيب بما كان من تآمر قوم لوط على إخراج آل لوط، وهم أهله ممن آمن بدعوته، وإذ أصرّوا على فعلتهم الشّنعاء في البقاء على الخبث والدّنس فقد علّلوا إخراجهم من القرية بأنّهم أناس يتطهّرون، فحكموا بذلك على أنفسهم بالقذارة والنّجاسة، فهم يتحرّجون من وجود المتطهّرين بينهم شأن الفسّاق في كل زمان ومكان، وتلك دركة يهوي إليها أمثال هؤلاء السّفهاء فتنقلب المفاهيم عندهم، ويزين الشّيطان أعمالهم.