نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ١٥٤ثم يأتي التّذييل بهذا الاستفهام الإنكاري الذي يتكرر في كل آية: (أَ. لَهٌ مَّعَ اللهِ)، فيقال: لا إله معه، وجاء التّذييل المناسب للعقلية الكافرة بأنها تعرف الحق وتنحرف عنه فقال: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ)، و"بل" بمعنى: لكن، أي أنهم مع إقرارهم بأنّ خلق ذلك من خصوصية الله هم ينحرفون ويكابرون في تلك الأدلة الواضحة.
(أَمَّن جَعَلَ الاَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا اَ. لَهٌ مَّعَ اللهِ بَلَ اَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ).
انتقل السّؤال الإقناعي إلى خصوصية الأرض، وهي لا تخصّ الإنسان وحده، لأن المقصود من هذا الاستدلال الثّاني هو إظهار بديع صنع الله في جعل الأرض مهادا ذلولا ومستقرّا مكينا لجميع مخلوقاته، فلا تضطرب بها ولا تميد لأنّها مركّزة ومثبّتة بالجبال الرّواسي، مما يدلّ على أنّها خُلقت متحرّكة سابحة في الفضاء.
وفي توفير الأقوات للمخلوقات ذكر جريان الأنهار بالمياه العذبة في أوديتها ومساربها، وللجبال دور حيويّ في ذلك، إن في الإمداد بالمياه أو بالخصوبة الضّرورية للأرض.
وقوله تعالى: (وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا)، والمقصود بالبحرين مجمّع المياه العذبة ومجمّع المياه المالحة، جعل الله بينهما حائلا يمنع اختلاط أحدهما بالآخر، وإن كان بينهما تكامل وتفاعل في عملية التّبخّر ونزول الأمطار، كما قال المتنبي في ممدوحه سيف الدّولة:
كالبحر يقذف للقريب جواهرا … جودا، ويبعث للبعيد سحابتا
وكما قال آخر أيضا:
كالبحر يمطره السّحاب وما له … فضل عليه لأنه من مائه
وكالسّؤال السّابق يجيء بعده الاستفهام الإنكاريّ: (اَ. لَهٌ مَّعَ اللهِ)، وليس للمنكرين إلا أن يقولوا: لا إله مع الله يستطيع أن يفعل ذلك، وبالتّالي كيف تسوّون بين من خلق هذا وأبدع صنعه، وبين آلهتكم الباطلة التي لا تخلق شيئا؟.