نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ٩٩هاجر المسلمون مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة واستوطنوها فبقيت مصالحهم متشابكة مع الكفّار سيما في مجال القرابة والمصاهرة، وما تزال كثير من العادات الجاهلية لم يبث فيها الوحي، وأصبح المجتمع الإسلامي الجديد في حاجة ماسّة إلى كثير من التّنظيمات الجديدة التي تقتضيها مرحلة التّنظيم والتّغيير وفق منهج الله، ولا شكّ أنّ الأسرة هي الرّكن الرّكين لذلك المجتمع وأن المخلّفات الجاهلية تحتاج إلى جهد كبير لتقويمها، إذ ليس من السّهل تفكيك تلك الأواصر المتشابكة مع الكفّار سيما في روابط المصاهرة بعد أن أصبحت العقيدة الإسلامية الحقّة هي الفيصل والحكم بين النّاس مهما كانت وشائجهم وروابطهم.
ولعلّ سورة الممتحنة هي أوّل صيحة سماوية لتحديد المواقف وبيان الحدود التي يجب على المسلمين التزامها أزاء أعدائهم، وبخصوص الأسرة نقرأ قوله تعالى: (يَآأَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ المُومِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ … ) إلى قوله: (وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكَوَافِرِ وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مآ أَنفَقُواْ ذَالِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ) (الممتحنة:10).
وبدءا من هذه الآيات الكريمات نجد شطراً من تلك التّنظيمات الرّبّانية لحياة الأسرة المسلمة تتناول بعض أحكام الزّواج والمعاشرة والطّلاق والإيلاء والعدّة والنّفقة وكفالة الأولاد … إلخ. مع ما يرافق تلك الأحكام من الإرشادات الإلهية الموحية لاستجاشة الضّمير الإيماني بالتّقوى وخشية الله في الممارسة والتّطبيق.
يقول المولى تبارك وتعالى: (وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُومِنَّ وَلأَمَةٌ مُّومِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوَ اَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُومِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّومِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوَ اَعْجَبَكُم)