نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10

الجزء ١٣ · صفحة ١٧٢

أ) - فالمشبّهون بالموتى هم في أسفل دركة من الضّلال، قد استغرقوا إلى الأذقان في حمأة شهواتهم، واستغلقت أفهامهم فهم كالأموات لا يُرجى منهم نفع، وإن كانوا على قيد الحياة، كما يقول الشّاعر:

ليس من مات فاستراح بميت … إنما الميْت ميّت الأحياء

وكما قال آخر:

أقبل على النّفس واستكمل خصائصها … فأنت بالرّوح لا بالجسم إنسان

ب) - المشبّهون بالصّمّ: وهم في حالة إدبار عن المتكلم، وما أبلغ هذا الوصف في استكمال صورة الإعراض؛ لأن الأصمّ المتجه إليك ربما يفهم بعض ما تقوله بالحركة أو بالإشارة كما نفعل مع أصحاب هذه العاهة، فهؤلاء هم في الدّرجة الثّانية من الاستغلاق؛ لأن عاهة الصّمم هي أشد استغلاقا في مجال التّعليم من عاهة العمى.

ج) - المشبّهون بالعمي: وهم في الدّرجة الثّالثة، ونلاحظ بلاغة القرآن في تغيير التّعبير هنا عن النّفيين السّابقين، إذ الأعمى يسمع كلام الله فربما يكون في ذلك مطمع لهدايته؛ لأن تدبّر القرآن لا يستغلق عن الأعمى كما يستغلق عن الأصمّ، ولذلك أمر الله رسوله بإجارة الكافر إذا استجاره، على عادة العرب في ذلك، وجعل الغاية من ذلك أن يسمع كلام الله علّه يهتدي، ولنفي ذلك المطمع جاء النّفي هنا لهداية العمي مؤكدا بالجملة الاسمية و"الباء"؛ لأن أمر الهداية إلى الله يُضلّ من يشاء ويهدي من يشاء.

ولبيان من هم أحقّ بالهداية قال تعالى: (إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُّومِنُ بِئَايَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ)، في العبارة حصر بالنّفي والاستثناء، والخطاب لرسول الله فهو التّالي والمسمّع لآيات الله النّازلة عليه، والنّاس أزاءها:

أ) - ميؤوس منهم لا رجاء في إيمانهم فهم كالموتى لا يستجيبون.

ب) - من فيهم استعداد للاستجابة فهم يؤمنون بما تتلوه عليهم من آيات الله والذّكر الحكيم، وقد تفتّحت قلوبهم وحواسّهم للتلقّي والانصياع ثابتين على إسلامهم مخلصين في إيمانهم حتىّ لقاء ربّهم على ذلك.

٤٬٠٢٣ / ٦٬٢٠١