نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10

الجزء ١٣ · صفحة ٢٤٤

بعد بيان الله لإعراض المشركين وأنّهم ضالّون باتّباع أهوائهم، ثمّ إثنائه على إيمان طوائف من أهل الكتاب وامتداح خصالهم الحميدة أعقب ذلك هنا بذكر شبهات المشركين في امتناعهم عن الإيمان، ثم بالرّدّ عنها، وقد افتتحه موجّها الخطاب إلى رسول الله ليسلّيه ويخفّف من حزنه على إعراض قومه بأنّ الهدى بيده تعالى يهدي به من يشاء فقال عزّ من قائل: (إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنَ اَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ).

والتّوكيد في خطاب رسول الله هو أدعى للتّركيز والاهتمام بما سيُلقى عليه، وتذكر الرّوايات في أسباب النّزول أن الآية نزلت في شأن أبي طالب -عمّ رسول الله- إذ كان النبي شديد الرغبة في إسلامه، وكان أبو طالب يعلم صدق ابن أخيه، وينافح عليه في دعوته، ولكن تمسّكه بدين الآباء والأجداد وانسياقه مع توجّه كبار قريش جعله يأبى الإقرار بالشهادتين أمام رسول الله فمات على كفره، وقد روي عنه أنه قال:

ولقد علمت بأنّ دين محمد … من خير أديان البريّة دينا

لولا الملامة أو حذار مسبّة … لوجدتني سمحا بذاك مبينا

غير أن الآية الكريمة بعموم لفظها وبديع نسجها ومناسبة موقعها، وبما أن الهداية تجيء بمعنيين فلابدّ من تحديد المعنى المقصود من قوله تعالى: (إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنَ اَحْبَبْتَ).

أ) - المعنى الأول: الذي يندرج في وظيفة الرّسل والمرشدين العلماء، هو إبانة الطّريق والإرشاد إلى الدّين بإقامة الحجج وكلّ الوسائل الإقناعية.

ب) - والمعنى الثّاني: وهو الخاصّ بمشيئة الله وإرادته هو سلوك الطّريق الإيماني بالفعل؛ لأنّ ذلك من أفعال القلوب، وهي كلّها بيد الله. فليس بوسع رسول الله، بله من يخلفه في الإرشاد والتّبليغ، ليس في وسعهم أن يجبروا أحدا على أن يختار طريق الإيمان أو طريق الكفر، فذلك من خصوصية الله القائل في شأن الإنسان:

٤٬٠٩٥ / ٦٬٢٠١