نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٢٦١ثم تكرّر نداء الله للمرّة الثانية استكمالا لمشهد يوم القيامة، تكرّر بالاستفهام التّقريعيّ للمشركين في اتّخاذ الشّركاء لله ليرتّب عليه نزع شهيد من كلّ أمة ليكون حجة عليها، قال تعالى: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِي الذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ، وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ للهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ).
تكرّر نفس النّداء السّابق لمزيد من إقامة الحجّة على المشركين، فهو نداء واحد يقوم بالإجابة عنه عليه القوم -كما تقدم-، ثم قال تعالى: (وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا)، ومع إفلاس المشركين عن الحجّة، يقوم الشّهداء على كلّ أمّة وهم رسلها، ومن يقوم مقامهم من العلماء والمرشدين، وشهيد الأمة الإسلامية هو رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ومن قام بالدّعوة إلى الله بعده من العلماء الذين هم ورثة الأنبياء كما جاء في قوله تعالى: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيئِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ) (الزّمر:69).
والشّهداء -كما ذهب إليه أكثر المفسرين- هم خلفاء الرّسول في التّذكير والدّعوة إلى الله وليسوا شهداء الجهاد، ولا شكّ أنّ رسول الله في ذلك الموقف يكون هو شهيد الشّهداء كما قال عنه تعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنَ اَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاَء) (النّحل:89).
هؤلاء الشّهداء يكونون حجّة الله على أممهم بأنّهم قد بلّغوا لها رسالة الله، وبالتّالي فإنّه تعالى يطلب من المشركين أن يأتوا بأيّ برهان على ما ارتكبوه من ظلم الشّرك والكفر، والأمر في: (هَاتُوا) للتعجيز، وعندئذ يتيقّنون أنّهم مفلسون من الحجّة، وأنّ الحقّ كلّه لله تعالى، وأنّه المستحقّ وحده للعبادة.