نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٣٤٧بعد توضيح تلك الدّلائل المبّينة لقدرة الله والتي يقرّون بها، وهم على كفرهم وشركهم متناقضون، والقليل منهم من يدرك ذلك، إذ أن الجميع قد آثر الحياة الدّنيا وزينتها، أراد الله أن يبّين لهم سوء تقديرهم في ذلك، بأن صوّر الحياة الدّنيا بخيال زائف لا قيمة له بأزاء الحياة الأخرى الباقية فقال تعالى: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الاَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ).
الإشارة للتحقير من شأن الدّنيا، فعلى ذكر الخلق والرّزق وبيان قدرة الله في الإحياء والإماتة وإقرار المشركين بذلك وكون أكثرهم لا يعقلون التّناقضات التي هم عليها اغترارا بما هم فيه من زينة الدّنيا، يضع الله ميزانا للقيم لبيان حقيقة الحياة الدّنيا بأزاء حقيقة الآخرة، فإذا الدّنيا في واقعها ضرب من اللّهو واللّعب، حين يتخذها الإنسان غايته، فلا يجعلها مطيّة للآخرة؛ لأنّ كلاّ من اللّهو واللّعب عاريان عن الفائدة لما فيهما من إقبال على الباطل وإعراض عن الحقّ، وكثير من النّاس يغفل عن تلك الحقيقة، فيكونون كمن يتمسّك بالسّراب، وقد اختار الله وصف "الحيوان" للدّار الآخرة، وهو مشتقّ من الحياة، مع مراعاة صفة التّحرّك، كما هي صفة الحيوان، قصد المبالغة، وهي بمعنى الحياة الكاملة الباقية.