نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٣٨٦مثل هذا الرّبط الوثيق بين طبيعة النّفس البشرية وطبيعة هذا الدين بأنهما متناسقان ومتلائمان يدلّ على ما لهذا الدّين من مزايا على المسيرة البشرية، وهو يضع في نهاية رحلتها معالم الطّريق إلى الحقّ وإلى الرّشد حتىّ لا تضلّ ولا تشقى، ثمّ هو يدعوها بإخلاص ووفاء أن تتبعه ولا تحيد عنه، فيقول بعد تلك الأوصاف النديّة لذلك الدّين: (لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَالِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).
فلهذا الدّين الحنيف استقرار وثبات مثل ما استقرت عليه قوانين الكون الأعظم، فهو المقوّم لكلّ اعوجاج يعتري المسيرة البشرية، وهو المصوّب لكلّ انحراف تزيغ به النّفوس عن طريق ربّها، لأنّه قائم بقيام السّماوات والأرض، ولكنّ أكثر النّاس لا يعلمون؛ لأنّ العلّة في أبصارهم لا في ضوء الشّمس.
قد تنكر العين ضوء الشّمس من رمد … وينكر الفم طعم الماء من سقم
الجهل لا تحيا عليه جماعة … كيف الحياة على يدي عزريلا؟
(مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبِم بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ):
(مُنِيبِينَ): حال من ضمير "أقم"، وهو من أناب بمعنى رجع رجوعا متكررا، وفسّر أيضا بالتّوبة إلى الله، من الإنابة، ولما كانت التّقوى هي الدّافع القويّ إلى الرّجوع إلى الله أمر المؤمنين بها على وجه الدّوام والاستمرار، وخصّ من مقتضيات التّقوى إقامة الصّلاة؛ لأنها الرّادع القويّ عن ارتكاب المعاصي.