نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٣٩٣على بيان خُلُقٍ من أخلاق النّاس إزاء بسط رحمة الله عليهم أو إصابتهم بسوء في ما يعتريهم من الفرح والسّرور، أو من القنوط واليأس، وذكّرهم بحكمته في بسط الرّزق وتقديره، فقد رتّب الله هنا بفاء التّفريع الأمر بإيتاء الضّعفاء والمساكين حقّهم من مال الله؛ لأن ذلك من مقتضيات الشّكر لتلك النّعمة فقال: (فَئَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَالِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
الخطاب لرسول الله ومن تبعه من أمّته، أو هو لكلّ متلقّ للقرآن عامّة، وإيتاء الحق يُشعر بالواجب في مال الذي بسط الله عليه الرّزق، إذ الأمر للوجوب ما لم تدل القرينة على خلاف ذلك، وهو غير الزّكاة المفروضة في المدينة، إذ السّورة مكية، ولذلك ذكر الحقَّ مجملا، فهو على ما تعارف عليه النّاس من الإحسان والمؤاساة بالمال في صدر الإسلام بمكّة، ثم قصر اسم الزّكاة على الواجبة المفروضة، وأطلق على ما عداها اسم الصّدقة، وأمّا بالنّسبة لذوي القربى ففيه خلاف بين الفقهاء، يقول القطب -رحمه الله-: "وقدّم ذا القربى لعظم حقّ القرابة ولا سيما الفقير، وقد أوجب أبو حنيفة إنفاق القرابة مطلقا بهذه الآية، وقيل عنه: القرابة بالمحارم. وزعمت الشّافعية أن لا نفقة بالقرابة إلا على الولد أو الوالدين. ومما يدلّ على زيادة حقّ القرابة أنّه أضاف إليه الحقّ، ولم يضفه إلى المسكين وابن السّبيل ولا جمع الثّلاثة بالإضافة بأن يقول: (فَئَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ) حقّهم، وقال: (ذَا الْقُرْبَى)، ولم يقل: ذا المسكنة؛ لأنّ القرابة لا تزول ولا تتجدّد، بخلاف المسكنة، وأمّا ابن السّبيل في تجدّده إضافته للسبيل".(1)
(1) 1 - امحمد بن يوسف اطفيش، تيسير التّفسير: 11/ 127.