نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10

الجزء ١٣ · صفحة ٣٩٨

وقد أجاز بعض المفسّرين أن يكون ظهور الفساد بمعنى الشّرك واحتدام المعاصي والفسوق، وهو فساد في المعتقد وفي السّلوك، يكون -أيضا- من كسب النّاس، بل حتى ما يكون من الكوارث الطّبيعية قد يقدّرها المولى تبارك وتعالى تربية لخلقه تتسبّب عن مخالفاتهم ومعاصيهم، كما يفيد ذلك قوله: (لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، بيان للحكمة الإلهية في تقدير تلك الأوضاع المتردّية لتكون عقوبة للعباد على بعض ما ارتكبوه من السّيئات رجاء رجوعهم بالتّوبة والإنابة إلى الله، فيكفّون عن السّوء، وهذا الذي يصيبهم في الدّنيا هو بعض الجزاء الذي يستحقّونه، وإلاّ فإنّ الجزاء الأوفى مدخور لليوم الآخر، وهو أشدّ وأنكى.

ثم قال تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الاَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ).

إنذار بعذاب أعظم قد يحلّ بالمشركين إن لم يقلعوا عن شركهم، كما حلّ بأمثالهم في غابر الأزمان، والعاقبة هي نهاية الأمر لقوم أو غيرهم، وقد تقدم في السّورة نظير هذا التّهديد، أكّده هنا لمناسبة قوله: (لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الذِي عَمِلُوا)، وسبب ما حلّ بأولئك الأقوام هو الشّرك، وحكمه بالشّرك على الأكثرية يدلّ على أنّ الباقين أُهلكوا أيضا بالفسوق والمعاصي، وتلك سنة الله العادلة في معاقبة المجرمين، وكان المخاطبون من أهل مكة يمرّون في أسفارهم على خرائب أولئك الأقوام الهلكى ولا يعتبرون.

ومع هذا الإنذار الشّديد لا يدع الله رسوله والمؤمنين في متاهات الخوف والحيرة فأرشدهم إلى طوق النّجاة في ثباتهم على الدّين القويم فقال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَنْ يَّاتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ).

٤٬٢٤٩ / ٦٬٢٠١