نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٤١٤فقوله تعالى: (مِن كُلِّ مَثَلٍ)، يدلّ على تنوّع الأساليب في كتاب الله بكلّ ما يؤثر على القلوب، فلم يدع القرآن حجّة يمكن أن يتأثّر بها النّاس لمعرفة الله تعالى والانصياع إلى إرشاداته إلا وبيّنها، ومع ذلك فقد آثر المشركون الضّلالة والعمي.
وباللام الموطئة للقسم خاطب الله رسوله بضمير الجمع تعظيما له، فحكى مقولة الذين كفروا بصيغة القصر: (إِنَ اَنتُمُ إِلاَّ مُبْطِلُونَ)؛ لأنّ هذه المقولة يردّدها الكفرة في كلّ زمان ومكان للدّعاة إلى الله، وهل يُنتظر من المشركين غير ذلك، والسّبب هو أنّه تعالى طبع على قلوبهم بالغفلة والضّلال وفق ما اختاروه لأنفسهم، فعموا عن الحقّ، فهم لا يعلمون حقائق الدّين ولا غيرها مما ينفعهم، وفي هذا الإخبار الإلهي تأييس للرسول من إيمان معارضيه، ولذلك فرّع عليه الأمر بالصّبر، ووعده بالنّصر حتى لا يغيظه موقف المعاندين، إذ قال تعالى: (فَاصْبِرِ اِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الذِينَ لاَ يُوقِنُونَ).
إنّه الأمر الإلهي لرسوله بمطلق الصّبر على كلّ ما يواجهه من تعنّت معارضيه المختوم على قلوبهم والجاهلين للحقائق الدّينية التي يدعوه للتّأمّل فيها، ولمّا كانت تبعة الصّبر شديدة على النّفس جاء التأنيس الإلهي لرسوله بقوله: (اِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ)، والحقّ هو الأمر الثّابت الذي لا ريب فيه، ووعد الله على إطلاقه يشمل كلّ ما بيّنه من تدابيره الحكيمة في عالمي الغيب والشّهادة، غير أنّ التّناسق الذي تلمسه بين مفتتح السّورة وختامها في وعد الله بالنّصر للمؤمنين، يوضّح هنا متعلق الوعد بأنّه النّصر لرسول الله والمؤمنين والانتقام من المكذّبين.