نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11

الجزء ١٤ · صفحة ٩

وفي قوله: (اَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ) استفهام توبيخي بتعطيل عقولهم عن التّذكّر الواعي لإدراك تلك الحقائق.

وقد جاء هذا الالتفات بين بيان حقيقتين وجوديتين تتصلان بخصائص الألوهية الحقّة للذّات العليّة وهي الخلق والأمر، فبعد بيان الصّفة الأولى من الخلق ذكر تدبير الأمر في الكون فقال: (يُدَبِّرُ الاَمْرَ مِنَ السَّمَآءِ اِلَى الاَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ).

الجملة في موضع الحال من الجملة السّابقة؛ لأنّ الله تعالى يتنزّه عن العبث، فهو لا يخلق الخلق ليضيّعه، بل ليدبّر أمره بإحكام في كلّ أرجاء ملكه، نزولا من علياء السّماوات إلى الأرض فـ"من" هي المنطلق والبداية، وكونها من السّماء لا يعني المكان؛ لأنه تعالى يجلّ عن المكان، وإنّما يعني علوّ المكانة والشّأن والقدر، و"إلى" هي النّهاية، والمراد بهما هو التّعبير عن الشّمولية والإحاطة بكلّ شؤون الخلق مهما تعددت أنواعه وحالات وجوده فهو في قبضة الله تصريفا وتدبيرا.

(ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ)، والعروج هو الصّعود، والضّمير يرجع إلى الأمر نزولا وصعودا، جاء التّعبير بالتّدبير للأمر والعروج به مطلقا إلى الله وحده لتفيد أنّ تلك الأمور كلها خاضعة لتصرّف الله وحده دون تدخل غيره فيها كما هو ثابت في علمه الأزلي، فهو مستقرّ على ما دبّر عليه.

٤٬٣٢٨ / ٦٬٢٠١