نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٣٣(وَجَعَلْنَا مِنْهُمُ أَيمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِئَايَاتِنَا يُوقِنُونَ): وعلى ذكر بني إسرائيل عطف الله هذا الامتنان بأن جعل منهم أئمة صادقين يدعون إلى الله بأمره، أي بما أنزله في التّوراة من الأحكام فعلا أو تركا، وفي هذا الإخبار الإلهي تسلية للرسول ومن معه من المؤمنين بما فيه من الإيحاء بأن يكون من أمة الرّسول أئمة يهدون إلى الحقّ، فما عليهم إلاّ أن يصبروا ويوقنوا بوعد الله كما صبر موسى وأتباعه، فإنّ مهمّة التّبليغ شاقّة تتطلب الصّبر واليقين، وهما ينبثقان عن الإيمان الرّاسخ بالله وآياته. وكان من رحمة الله بهذه الأمة أن سخّر لها في كل جيل من علمائها الرّاسخين من يتحمّل هذه الأمانة كما أخبر بذلك رسول الله إذ قال: «يرث هذا العلم من كلّ خلف عدوله».(1)
وبما أن هذه الفئة تكون في العادة قلة بين الكثرة الجاهلة المفتونة بالاختلافات والصّراعات فقد جاء هذا التّعقيب بقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ).
وذلك لأن الواقع التّاريخي لبني إسرائيل كما أخبر الله به مشحون بالاختلافات والصّراعات فيما بينهم كما قال تعالى: (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ اِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) (المائدة: 14). والذين يسمعون الثّناء والامتنان المتقدم لأئمّة بني إسرائيل ممن كانوا يهدون النّاس بأمر الله ربما وقعوا في حيرة من وصف القرآن لاختلاف بني إسرائيل وانحرافهم عن الدّين وتحريفهم لنصوص كتابهم.
(1) 1 - أخرجه البيهقي في السنن الكبرى مرسلا من حديث إبراهيم بن عبد الرحمن العذري، رقم 20700.