نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٤٧إنّه قلب واحد يدين لله الواحد، ويتجاوب مع مقتضيات ذلك الإيمان وفق منهج الله الواحد، فتعمل الجوارح مستجيبة إيحاءاته الصّادقة كما قال رسول الله: «ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب»(1)، وفي هذا المعنى يقول قطب الأئمة في تيسيره: "قيل: لأنّه لا يخلو إمّا أن يفعل بهذا القلب كلّ ما يفعل بالآخر، فأحدهما لا حاجة إليه، وإمّا أن يفعل به ما لا يفعل بالآخر فيكون راضيا كارها جاهلا عالما، بخلاف اليدين مثلا، فإنه يحتاج إليهما معا في العمل الواحد من الأعمال".(2)
ومن اختلاقات الجاهلية وأكاذيبها جعل المرأة الزّوجة أمّا بطلاق الظّهار، وذلك بأن يقول الرّجل لامرأته: "أنت عليّ حرام كظهر أمّي"، يقول الرّجل ذلك بلسانه فتحرم عليه امرأته تحريما مؤبّدا، ولا يخفى ما في ذلك من التّعسّف والإجحاف في حقّ المرأة مما درج عليه الجاهليون من ظلم المستضعفين من الرجال والنّساء والولدان، فأصبحت الأسرة بذلك معرّضة لكثير من الهزات، تورث الشّحناء والبغضاء بين أفرادها، فجاء الإسلام ليبطل تلك العادات الفاسدة بتحصين الأسرة وتوطيد العلاقات الطّيبة بين أفرادها على اعتبارها الخلية الأساسية في كيان المجتمع، يصلح بصلاحها ويفسد بفسادها، فجعل لكلّ من الزّوجية والأمومة مكوناتها الخلقية كما شرعها الله، لا كما تواضع عليه النّاس بكلامهم وادعاءاتهم، فجعل الظّهار طلاقا مؤقتا تزول حرمته بأداء الكفارة قبل أن يتماسّ الزّوجان، وجاء الحكم مفصّلا في سورة "المجادلة".
ومن تلك الظّواهر الجاهلية الفاسدة ادّعاء البنوّة بإلحاق أحد الأولاد بنسب رجل فيعرف ذلك الولد باسمه بين النّاس ويتبناه، كما فعل رسول الله بزيد بن حارثة الكلبي، أهدته خديجة رضي الله عنها لزوجها فأعتقه وتبنّاه قبل الوحي، وكان يُدعى زيد بن محمد.