نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٦٨ففي أتون الابتلاء الذي وقع فيه المؤمنون وهم بين شقّي الرّحى من الأمام ومن الخلف، يجد المنافقون الفرصة لزرع البلبلة والشّك في الصّفوف ببث الشّكوك وزعزعة اليقين بوعد الله في قلوب المؤمنين، بأنّه مجرّد غرور لا حقيقة له في الواقع، ثم لا يكتفون بمجرّد القول بل هم يعمدون إلى التثبيط بزحزحة بعض المقاتلين عن مواقعهم حتى يرجعوا إلى أهليهم وذراريهم، فهؤلاء المنافقون هم العلة والخطر الوبيل في خلخلة الصّفوف وتوهين الجماعات، والذين يحذّر الله منهم رسوله بقوله: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَّقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُوفَكُونَ) (المنافقون:4).
ثم هم يبادرون بالرّجوع إلى أهليهم بطلبهم الإذن بذلك من رسول الله بدعوى انكشاف بيوتهم للعدوّ، وتقول الرّواية إنها منازل بني حارثة، كانت في أقصى المدينة، والتّعبير بصيغة المضارع: (وَيَسْتَاذِنُ) يدلّ على التّكرار والإلحاح في الاستئذان، وقولهم: (إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ) بتأكيد "إِنَّ" لإظهارهم مظهر الصّدق في دعواهم، غير أنه تعالى كشف أمرهم بقوله: (وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ اِنْ يُّرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا)، فهم يكذبون على الله ورسوله، إذ أنّ بيوتهم محصّنة، والمدينة كلها في حراسة المسلمين من وراء الخندق، بل كانوا يودّون النّصرة للمشركين فيرتدون عن إسلامهم، ذلك كان منهم والعدو ما يزال خارج المدينة، ولو أطبق العدوّ عليهم واقتحم المدينة من جميع أطرافها ثم دعوا إلى الفتنة في دينهم بالارتداد ونصرة المشركين لأقبلوا على ذلك مسرعين إلا القليل منهم لا يسارعون إلى ذلك، وهكذا يفعل النّفاق بالنّفوس الخبيثة، لا تراعي في عهد الله إلاًّ ولا ذمّة.