نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11

الجزء ١٤ · صفحة ٨٧

وقد اختارت أمّهات المؤمنين عيش الكفاف في كنف رسول الله يتحمّلّن معه أعباء مهمّته، وإن جاء البعض منهن من بيوت سيادة وثراء. ولسيد قطب رحمه الله تعليق جيّد في مقدمة تفسيره لهذه الآية الكريمة نبيّنه هنا لما فيه من الفائدة إذ قال: "لقد اختار النّبي صلى الله عليه وسلملنفسه ولأهل بيته معيشة الكفاف، لا عجزا عن متاع الحياة، فقد عاش حتى فتحت له الأرض وكثرت غنائمها وعمّ فيؤها، واغتنى من لم يكن له من قبل مال ولا زاد، ومع هذا فقد كان الشّهر يمضي ولا توقد في بيته نار، مع جوده بالصّدقات والهبات والهدايا، ولكن ذلك كان اختيارا للاستعلاء على متاع الحياة الدّنيا، ورغبة خالصة فيما عند الله، رغبة الذي يملك ولكنه يعفّ ويستعلي ويختار، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلممكلفا من عقيدته ولا من شريعته أن يعيش مثل هذه المعيشة التي أخذ بها نفسه وأهل بيته، فلم تكن الطّيّبات محرمة في عقيدته وشريعته، ولم يحرّمها على نفسه حين كانت تقدم إليه عفوا بلا تكلف وتحصل بين يديه مصادفة واتفاقا لا جريا وراءها ولا تشهيا لها، ولا انغماسا فيها ولا انشغالا بها، ولم يكلف أمته كذلك أن تعيش عيشته التي اختارها لنفسه إلا أن يختارها من يريد استعلاء على اللّذائذ والمتاع وانطلاقا من نقلها إلى حيث الحرية التّامة من رغبات النّفس وميولها".(1)

قلت: يقول الإمام البوصيري في رغبات النّفس:

والنّفس كالطفل إن تهمله شبّ على … حبّ الرّضاع وإن تفطمه ينفطم

ويقول شاعر آخر:

والنّفس راغبة إذا رغبتها … وإذا ترّد إلى قليل تقنع

(1) 1 - في ظلال القرآن: 22/ 574.

٤٬٤٠٦ / ٦٬٢٠١