نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ١٩٣كان الرسول صلى الله عليه وسلميواجه في دعوته قوما مغترين بحظوظهم الدنيوية أموالا وحرمة وسيادة، لا يكادون يتعظون بما ينذرهم به الوحي من تقلبات الأيام وعبر الدهر من الأمم الخوالي، مما يجعل الترشيد لقصة "سبأ" مفتتحا باللام المشعرة بالقسم، و"قد" التي تفيد التحقيق، والتمثيل بتاريخ أمّة بكاملها، له أثره الكبير في نفوس المخاطبين. فقوم "سبأ" كانوا في بحبوحة من العيش الكريم في جناتهم الوارفة الظلال ومساكنهم المشيدة الآمنة، يدل على ذلك التعبير بكونها "آية"، ولا تكون كذلك إلا لعظمتها وزينتها وحسن موقعها، وذلك ما وضحته بقية الآية من قوله تعالى: (جَنَّتَانِ عَنْ يَّمِينٍ وَشِمَالٍ)، وهي الجنات التي استنبتوها عن يمين الوادي وشماله، تُسقى بمياه سدّ "مأرب" الذي كان يحجز كميّات هائلة من سيول الأمطار، وقد أبدعوا في تنسيق وسائل الرّيّ لتلك الأجنّة الوارفة الظلال والوافرة الأوراق بأنواع الثمار والفواكه، وقد استطاع أحد المهندسين المعاصرين أن يقدر امتداد تلك الأجنة على ضفتي الوادي فقدّرها بثمانين كيلومترا على كل جانب، يتصل بعضها ببعض، وأمام ذلك الإنعام الرباني يكون النصح والإرشاد، لأن الإنسان لربّه لكنود: (كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ).
تُرى من توجّه إليهم بذلك النصح؟، لم يذكر الناصح، فهو إمّا من دلالة لسان حالهم أو هو نبي بُعث فيهم، وقد ذكر الله قوم تبّع، وهو نبي منهم، كما يمكن أن يكون الناصح أحد صلحائهم، فهو يأمرهم أن يشكروا نعمة الله عليهم لأنه هو الذي متعهم بتلك الأرزاق.
ثم جاء التلخيص البليغ بقوله: (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ)، فالجملة مستأنفة في الكلام المقول للترغيب والتبشير، زيادة في وصف تلك النعمة، ولم يأت مثل هذا الوصف في القرآن لبلد آخر، فطيب البلدة هو باعتدال مناخها وخلوّها من المؤذيات من الهوام الضارة زيادة إلى وفرة الأرزاق والخيرات.