نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ١٩٦والتعبير بـ (جَعَلْنَا) وبالأمر التكويني بقوله تعالى: (سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّامًا -امِنِينَ) يدلّ على أن تلك النعمة كانت من الله، عساهم يشكرونها، ولكن العصيان والتمرّد على الله دفعهم إلى أن يطلبوا من الله أن يباعد بين أسفارهم في وهج الشمس ووحشة المفاوز، ولم يعتبروا بما حدث لهم في بلدهم من خراب ودمار.
وبتلك الدعوة الظالمة كانوا كمن بحث على حتفه بظلفه، إذ شرّدهم الله ومزق شملهم وشتتهم في أنحاء الجزيرة كلها، فأصبحت حضارتهم قصصا تروى في المجامع للتسلية والإمتاع، أو للاتعاظ والاعتبار بالنسبة لمن يتحلّى بالصبر والشكر، وهما حلية المؤمن الوفيّ، يصبر عند الضراء، ويشكر عند السراء.
وهكذا يكون جزاء من أبطرته النعمة فانساق وراء نزواته وشهواته كما قال تعالى: (وَكَمَ اَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةِم بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّنم بَعْدِهِمُ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) (القصص:58).
وقد أصبح قوم "سبأ" مضرب المثل في التفرّق والتشتت فقالوا: "تفرّق القوم أيدي سبأ".
وفي ختام القصة يأتي التقدير لسنة الله في اختبار خلقه وبيان الحكمة من وراء ذلك فقال: (وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمُ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُومِنِينَ، وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ اِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُّومِنُ بِالاَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ).