نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11

الجزء ١٤ · صفحة ٢١٥

بعد بيان موقف المشركين في تكذيبهم بالقرآن وبما سبقه من الكتب السماوية السابقة، انتقل النّصّ الكريم إلى تسلية رسول الله من موقف قومه ببيان أن ذلك هو عادة المترفين المغترّين بأموالهم وأولادهم في كلّ الأمم السابقة ممن بعث الله إليهم رسله لظنهم أنّ الغنى والتّرف هو عنوان الفضل وعلوّ منزلتهم عند الله، فإن يكن هناك عذاب حقيقي كما يدّعيه محمّد فليسوا هم بمعذَّبين، ولكن الله تعالى فنّد مزاعمهم فأوضح بأنّ الغنى والفقر لا يرتبطان بالإيمان والكفر، وطوق النجاة في الحياة الأبدية لا يجده الإنسان إلاّ في الإيمان والعمل الصالح، وتفاضل الناس في أرزاقهم إنما يتمّ بإرادة الله وحكمته، فيبسطها لمن يشاء من عباده، ويضيّقها على من يشاء.

قال تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ اِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ): إنّ إعراض الكبراء والسّادة المنعّمين بالأموال والأولاد عن دعوة الرسل هو ظاهرة مستحكمة في المجتمعات البشرية منذ قديم الزمان، فما من رسول إلاّ كلّفه الله تعالى بدعوة قومه إلى الهدى والرشاد. والاقتصار في بيان مهمة الرسل هنا على النذارة يقتضيه المقام، لأنهم بإزاء أقوام متعنّتين مغرورين بحظوظهم الدنيوية لا تحرّكهم إلا أساليب التخويف. وقد تكرّر في القرآن بيان تلك الظاهرة التي واجهها رسول الله مع قومه، فكان في حاجة ماسة إلى هذه التسلية الإلهية الكريمة.

وقد جعل هؤلاء الطّغاة كثرة أموالهم وأولادهم مسوّغا لكفرهم وواقيا لهم من كل عذاب: (وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ).

٤٬٥٣٤ / ٦٬٢٠١