نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٢٥٦بعد الاستدلال على وحدانية الله وقدرته بما في الأجواء بين السماء والأرض ينتقل السياق إلى الاستدلال بما على الأرض نفسها، ولا شك أن البحار هي أعظم ما يبهر الإنسان ويحدّ من كبريائه عندما يركب ظهرها، وجعل الله من آيات قدرته وبديع صنعه أن خلق أشياء متّحدة في الجنس ولكنها مختلفة في المنافع كخلق البحرين واختلاف مذاق مياهيهما، فقال جلّ من قائل: (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ اُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَاكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
تعدد الحديث عن البحر في القرآن وكونه من الآيات الدالة على قدرة الله وبديع صنعه، ولكن الإنسان قليلا ما يتدبّر ذلك الصنع العجيب بدافع الإلف والعادة، وإن كان العلماء المتخصّصون ما يزالون يجدون من منافع البحر كثيرا مما أشار إليه القرآن الكريم، ومن ذلك ما في هذه الآية الكريمة التي تشير إلى تلك الظاهرة العجيبة من وجود بحرين متحدين في الخلقة ولكنهما مختلفان في المنافع، فهما لا يستويان في التقدير، وذلك لاختلاف مذاق مياههما، فأحدهما وصف الله ماءه بأنه عذب فرات سائغ شرابه، فالعذب هو الحلو الذي لا ملوحة فيه. والفرات: هو أفضل الماء عذوبة، إذ العذوبة تتفاوت بين ماء وآخر، وقوله: (سَآئِغٌ شَرَابُهُ) أي يمرّ في الحلق سهلا طيّبا، والآخر ملح أجاج، أي مالح من طبعه، وأجاج: أي يؤذي الحلق بمرارته، ومحلّ الاعتبار هو كونهما من مصدر واحد وهو الماء ولكنهما يختلفان في المذاق، ولا شك أن من وراء ذلك القدرة الإلهية والعناية الربانية بخلقه، إذ جعل من وراء ذلك الاختلاف آية أخرى وهي اشتراكهما في توفير بعض المنافع للناس، وهي: