نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٢٧٠والتنويع الثاني هو التنويع في الجبال، والجُدد جمع جُدّة، يقول القطب عنها: "وهي الطريقة المخالفة بما يليها لونا من جدّة، بمعنى قطعة، وفي ذلك مبالغة إذ جعل الجبل نفس الجدّه، حضا على التفكر في شأنها".(1)
قلت: إنها لفتة خاصّة إلى بديع صنع الله في أبرز أجزاء الأرض وأكثرها داعية للاستغراب عند المخاطبين بالخصوص، وهم جوابون للفيافي عارفون بمسالك الجبال وفجاجها، فلا عجب أن يسألوا عنها رسول الله كيف يكون مآلها عند قيام الساعة إذ قال الله: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا ربِّي نَسْفًا، فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا، لاَ تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلآَ أَمْتًا) (طه:105 - 107).
فهذه الخلائق الضخمة كيف كانت هي الأخرى متعدّدة الألوان في صخورها وكيف تتداخل تلك الألوان ما بين أبيض وأحمر في نسب متفاوتة تدعو إلى الإعجاب.
ثم أفرد بالذكر اللون الأسود ونعته بالغربيب، أي الشديد السواد، لأنّ السّواد في الحقيقة ليس لونا، بل هو انعدام اللون كما يقول علماء البصريات، فيا للعجب في صنع الله كيف يهزّ الأحاسيس ويزيد المؤمن يقينا وتعظيما للصانع المبدع.
ثم يأتي التنويع الثالث في النّاس والدّوابّ والأنعام، ويجمع لفظ الدَّوَاب الأنواع الحية كلها، ولكن لتخصيص الناس والأنعام بالذكر معنى مقصود لما لبني آدم من كرامة عند الله، وللأنعام من منافع عند المخاطبين، والتنويع اللوني في كل ذلك آية من آيات قدرة الله لا يقل دلالة عن خلق السماوات والأرض لقوله تعالى: (وَمِنَ -ايَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمُ إِنَّ فِي ذَالِكَ ءَلاَيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ) (الروم:22).
(1) 1 - تيسير التفسير: 11/ 468.