نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ١٥٨ب- ولمجاهد وأبي مسلم والأصفهاني توجيه آخر للآية بأنّها ثابتة غير منسوخة، فقد روى البخاري عن مجاهد قال: شرع الله العدّة أربعة أشهر وعشرا تعتدّ عند أهل زوجها واجباً، ثم نزلت وصيّة لأزواجهم فجعل الله تمام السنة وصية إن شاءت سكنت في وصيّتها وإن شاءت خرجت ولم يكن لها يومئذ ميراث معيّن، فكان ذلك حقّها في تركة زوجها، ثم نسخ ذلك بالميراث".(1)
فمجاهد يرى أن عدّة المتوفّى عنها زوجها نزل فيها آيتان الآية المتقدّمة وهذه الآية، فيجب حمل الآيتين على حالتين:
أ- عدّة أربعة أشهر وعشراً هو الأجل المحتوم وهو الأقلّ الواجب.
ب- الأجل المخيّر فيه، وهو الإقامة في دار الزّوجية لمدّة سنة مع وجوب النّفقة لها من مال زوجها.
بينما أبو مسلم يرى أن معنى الآية: من يتوفّون منكم ويذرون أزواجا وقد وصّوا وصيّة لأزواجهم بنفقة وسكن الحول، فإن خرجن قبل ذلك وخالفن وصيّة الأزواج بعد أن يقمن المدّة التي ضربها الله تعالى لهن فلا حرج فيما فعلن في أنفسهن من معروف -أي نكاح صحيح-، لأنّ إقامتهنّ بهذه الوصيّة غير لازمة، وعلى هذا التّقدير فالنّسخ زائل.
وعلى هذا التقدير تكون الآية بأكملها جملة شرطية واحدة، فالشّرط هو قوله: (وَالذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ) حتى قوله: (غَيْرَ إِخْرَاجٍ)، والجزاء هو قوله: (فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ … ).
والتذييل بقوله: (وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) لإفادة سلطة الله وحكمته في تشريع تلك الأحكام ويقتضي ذلك حسن الاستجابة لأمر الله والخضوع لأحكامه.
(1) 2 - رواه البخاري، كتاب الحج، باب والذين يتوفون منكم … ، حديث 4257، 4/ 1646.