نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٣٠١وقوله: (وَمَآ ءَاتَيْنَاهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ) (سبأ:44). وقد بسطنا القول في تفسير آية سورة السجدة من قوله تعالى: (لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) (3). وبينا أن لا تعارض بين هذه الآيات وقوله تعالى: (وَإِن مِّنُ امَّةٍ اِلاَّ خلاَ فِيهَا نَذِيرٌ) (فاطر:24)، فليرجع إليه.
وبعد بيان مهمة الرسول في التبليغ فصّل حال القوم الذين أرسل إليهم فبيّن أنهم على قسمين: فقال في القسم الأول: (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُومِنُونَ، إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمُ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الاَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ، وَجَعَلْنَا مِنم بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سُدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سُدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ، وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمُ ءَآنذَرْتَهُمُ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُومِنُونَ).
أ) - هذا القسم هو الذي لم يتأثر بالنذارة، إذ سبق في علم الله الأزليّ أنهم لا يؤمنون لأنهم في أصل تكوينهم جبلوا على الشرّ والنفور من الحق، والتعبير بقوله: (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ)، هو إشارة إلى قوله تعالى: (قَالَ فَالْحَقَّ وَالْحَقَّ أَقُولُ، لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمُ أَجْمَعِينَ) (ص:84 - 85).
وقد تكرّرت في القرآن تلك العبارة، وهي تعني تحقق كلمة الله في علمه الأزلي لتنفيذ سنته في عباده، بتوفير أسباب هدايتهم أو ضلالهم وفق إرادتهم الحرة في اختيار ما تميل إليه نفوسهم.