نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11

الجزء ١٤ · صفحة ٣١٠

وقد أغفل النصّ الكريم ذكر اسم القرية ومن هم أصحابها، إذ المقصد هو محلّ العبرة، فهم قوم أقام الله عليهم الحجة بإرسال رسله إليهم لدعوتهم إلى الإيمان بالله وإفراده بالعبادة، فهم ثلاثة رسل بيّن الله أنه بعث إليهم برسولين أوّل مرّة كما بعث موسى وهارون إلى فرعون وملئه، ولكن أهل القرية واجهوهما بالتكذيب، كما هو شأن الطغاة المستبدين.

وزيادة على إقامة الحجة قوّى الله جانبهما برسول ثالث، فأكّد ثلاثتهم بأنّهم مرسلون من قِبل الله إليهم: (إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ)، فكان الرّدّ المعهود في تاريخ الرسالات، حتى لكأن الطغاة تواطأوا عليه عبر التاريخ البشري كما قال تعالى: (اَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) (الذاريات:53)، إذ قالوا لرسلهم: (قَالُوا مَآ أَنتُمُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ اِنَ اَنتُمُ إِلاَّ تَكْذِبُونَ).

إنه الثالوث المكرور على ألسنة الطغاة في كل زمان ومكان:

أ) - الاعتراض وإنكار بشرية الرسل، فهم يتصورون أن تكون لشخصية الرسول ميزة خاصّة حتى يستطيع أن يتصل بالملإ الأعلى.

ب) - وكنتيجة لإنكار بشرية الرسول، فهم ينكرون أن يكون الله قد أنزل شيئا على بشر مطلقا.

ج) - اتهام رسلهم بالكذب والافتراء على الله.

وفي التعبير بقولهم: (وَمَآ أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ) إشعار بأنهم يؤمنون بوجود الله، كما هي حال قريش، ولكنهم ينكرون الرسالة من أساسها بناء على اعتراضهم على بشرية الرسل: (فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللهُ) (التغابن:6)، فهي -إذن- شبه باطلة ردّدتها الأمم المكذّبة برسلها من عهد نوح عليه السلام، فبماذا أجاب الرسل على تلك الاعتراضات؟.

٤٬٦٢٩ / ٦٬٢٠١