نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٣٢٨د) - الآية الرابعة: (لاَ الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ):
إنه البيان العجيب لدقّة النّظام الكوني العامّ الذي صممته يد القدرة الإلهية لما لا يعلمه إلا الله من النجوم والكواكب والمجرات المبثوثة في الفضاء الكوني الرهيب، مما تكتشفه علوم الفضاء من بعض مكوناته، وما كان محمد رسول الله يعلم أبسط القواعد منه لولا أنّ القرآن المنزل عليه هو من علم الله الذي أبدع هذا الكون العظيم الذي نتضاءل نحن البشر أمام عظمته.
وقد أعطى الله لنا مثلا لتلك التقديرات العجيبة ولذلك الضبط المحكم في مدارات تلك الأجرام الضخمة، وهي أمثلة نلاحظها في حياتنا مع تلك الأجرام. وعلى ضخامة جرم الشمس وقوة جاذبيته فإنه مضبوط بقدرة الله في المدار المخصّص له بحيث لا يتيسر له أن يجتذب القمر فيبتلعه إلاّ أن يشاء الله ذلك عند فناء العالم حين تصطدم الأجرام، كما وصف مشهدا من مشاهد يوم القيامة وصفا مفجعا بقوله: (وَخَسَفَ الْقَمَرُ، وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، يَقُولُ الاِنسَانُ يَوْمَئِذٍ اَيْنَ الْمَفَرُّ) (القيامة:8 - 10).
قوله تعالى: (وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ)، فالسبق هو التفوّق على المنافس، فقد شبه الله الليل والنهار بمتسابقين في حلبة الزمان، فأعطى السّبق للنّهار على الليل؛ لأن الضوء يقهر الظلمة بطبيعته، كما يقهر الحق الباطل ويدمغه.
وفي تعبير تصويري بديع يقول تعالى: (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)، تشبيه بليغ لتلك الأجرام بالسفن الماخرة لعباب البحر وبالحيتان السابحة في مياهه، والفَلَك -بفتحتين- هي المدارات المفروضة للأجرام، لا تحيد عن مساراتها المحددة لها.
ويلاحظ أنه جيء بضمير الجمع للعقلاء: (يَسْبَحُونَ) مع أن المتحدث عنهما الشمس والقمر، وذلك: