نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٣٧٣أ) - (وَالصَّآفَّاتِ صَفًّا): والاصطفاف يتمّ برصّ الصفوف بعضها إلى بعض كما تفعل الجيوش أمام قائدها أو المؤمنون عند القيام بصلاتهم وراء الإمام، وفي الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فُضّلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعل لنا ترابها طهورا إذا لم نجد الماء»(1).
وهذه الهيئة من الاصطفاف بالنسبة للملائكة هي في كلّ حالة كناية عن كمال الخضوع والاستعداد لتلقّي أوامر الله في تدبير شؤون ملكه، ونحن لا نملك تشخيص صورة مادّية لخلقة الملائكة إلاّ بما خبرنا الله به في سورة فاطر بأنّ لها أجنحة، وهي بمثابة الأيدي عند الإنسان، تضعها خاشعة انتظارا لأمر الله.
ب) - (فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا): والزّجر هو الحثّ في أمر أو نهي بقوة، ولهذا الزجر الملائكي مجالاته المتعددة لدى المخلوقات، كزجرهم للعصاة عند الاحتضار، أو في عذاب القبر، أو عند موقف الحساب، أو ما يتطلبه تسخيرهم لبعض الظواهر الكونية من تصريف الرياح وسوق السحب، وتفجير الزلازل والبراكين … إلخ. والملائكة من جنود الله التي لا يعلمها إلا هو، يسخّرها كيف يشاء في ملكوته.
ج) - (فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا): من آيات القرآن، وهم حملة الوحي من الحضرة القدسية إلى رسله وأوليائه أو ما يتلونه من تسابيح وتقديسات لله تعالى.
وترتيب الأوصاف الثلاثة بـ"الفاء"، يقول بعض المحققين: إنّه ترتيب في الفضل على وجه التّرقّي من الأدنى إلى الأعلى، فجعلوا تلاوة الذكر في أعلى مرتبة لما فيه من إصلاح لأحوال المخلوقات.
(1) 1 - أخرجه مسلم من حديث حذيفة، كتاب (5) المساجد ومواضع الصلاة، رقم 522.