نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٣٧٥وقد خصّ الله بالذكر: (وَرَبُّ الْمَشَارِقِ)، وهي جمع مشرق، ظرف مكان وزمان لشروق الشمس وغيرها من الطوالع، فهي باعتبار كلّ الطوالع من نجوم وكواكب مشارق كثيرة، وهي -أيضا- باعتبار حركة الأرض حول الشمس مشارق متعدّدة، وفي مقابل كل مشرق مغرب بداهة، فهو تعالى ربّ المشارق والمغارب، كما قال في سورة المعارج: (فَلآَ أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ) (40).
وبما أن الإشراق هو أدعى للدلالة على بديع صنع الله وقوته وقدرته، إذ هو الباعث على النشاط والحيوية، فقد خصّه الله بالذكر هنا.
ثم يمتن الله علينا بإشباع حسّنا الجمالي بأن زيّن السماء الدنيا بزينة الكواكب فقال: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ، وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ، لاَّ يَسْمَعُونَ إِلَى الْمَلإِ الاَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ، دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ، اِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ).
يمتن الله علينا بنون العظمة: (إِنَّا زَيَّنَّا) ليدلّل على حقّية ربوبيته للسماوات بأن خلقها وسوّاها وزيّنها للناظرين، فجعل من الأرض مهادا لنا، وفوق رؤوسنا تلك القبّة الزرقاء المرصّعة بنجوم السماء تشدّ أنظارنا إليها بزينتها وتسحر ألبابنا، فكأن النجوم في لمعانها حيثما شاهدناها في قبة السماء تبادلنا خطرات الهيام والشوق، فنحسّ بذلك القدر من التجاوب الإيماني بعظمة الكون وخالقه فنسبّح بحمده، إذ أشرقت بنور وجهه تلك السماوات، ووصف الدنيا هو مؤنث "أدنى"، أي السماء الأقرب إلينا، والتعبير القرآني يتناسب مع المشاهد المحسوس لدينا، وإن كان لعلماء الفلك نظرياتهم في كيفية ظهور تلك الزينة من خلال الغلاف الجويّ للأرض، وقد ركّز القرآن كثيرا على فطرة الإنسان في إشباع حاسّته الجمالية واعتبارها من خصائص الإنسان الكبرى في بديع خلقته فقال جلّ من قائل: